الرئيسيةالراي

رأي- الذهاب إلى المعبد لإطعام الروح وليس البطن!

* كتب/ محمد جمعة البلعزي،

أغلب البشر يذهبون إلى معابدهم الدينية ولو مرة بالأسبوع.. الكل يتعبد ويمارس شعائره أو طقوسه الروحانية التي يعتقد أنها تقربه إلى الله أكثر من غيره.

الكل يبحث عن قِبلته أو محرابه أو هيكله أو… جميعهم يتسابقون نحو كائن مجهول أو ذات غامضة يؤمنون بوجودها دون أن يروها.. حاضرة في مخيلتهم وعقيدتهم.. غائبة عن أنظارهم.. يظنون أنها تتجسد في ممتلكات وحركة الكون والطبيعة.. لكنه الله!

يتجه الإمام نحو منبره لإلقاء خطبته والكاهن إلى هيكله ليلقي موعظته.. ويلزم المسيحي بكنيسته يوم الأحد.. في انتظام لافت.. أقرب الكراسي إلى هيكله.. ويهرع اليهودي يوم السبت إلى كنيسه.

يوم الجمعة يسرع المسلم خُطاه إلى مسجده فيبحث فيه عن بقعة أرض تلمّه.. وأحياناً يجتاز صفوف المصلين.. قافزاً فوق رؤوسهم.. ليحتل عنوة ركناً بالصف الأمامي.. وكأن هذا الصف الأقرب إلى الله وأن الصفوف الخلفية الأبعد عنه.. معتقداً أن قصر المسافة بينه وبين خطيب الجمعة ترفع من درجة ثوابه.

حسب علمي.. كانت خطب الخلفاء الراشدين ومن سار على نهجهم من السلف الأول.. تعالج مقتضيات المسلم الحياتية وسلوكه تجاه ربّه ودينه ونفسه وأهله ومعاملة غيره.. مستندين في ذلك إلى آيات القران الكريم وأحكام السنة.. بل ويجهد الخطيب نفسه في مساعدة “المأمومين” على حل مشاكلهم.. يتجهون إليه بحثاُ عن النصيحة.. فقد كان لهم الطبيب النفساني والمتفقه في دين الله لقضاء معاناتهم الدنيوية والروحانية.. يخرجون بعدها وكأنهم خلقوا من جديد.. ليعودوا ثانية إلى مساجدهم اشتياقاً وليس تقليداً جبلوا عليه.

في زمننا الحاضر.. الكل ينصت دون تركيز إلى خطبة إمام يتحدث عن حال المسلمين.. ديناً ودنيا.. ماضيهم ومستقبلهم.. يحثهم على مواصلة السير على نهج وسلوكيات الماضي والسلف الخيّر.. ويرعبهم إن حادوا عنه لما ينتظرهم في المستقبل من عذابات القبر وغيبيات القدر.. وأن نهايتهم نار وقودها الناس والحجارة.. ويقفز بكل الإمكان عن حاضرهم وحياتهم اليومية ومشاكلها.. كي لا يقع في المحظور وما يمس السلطة والحاكم.. لينهي خطبته بالدعاء للقائد أو الملك أو الرئيس أو أمير المؤمنين.. بأن يطيل الله عمره في المنصب.

قبل سنوات.. في إحدى خطب الجمعة حاول الخطيب الابتعاد عن التحدث عن حرب سابقة على غزة الفلسطينية.. وسعى لتفادي الوقوع خارج الدائرة الحمراء المرسومة له. حاول الخوض في شؤون أخرى تذبذبت بين علم الغيب وكفّار قريش ومواقف الصحابة في محاربتهم والغزوات في صدر الإسلام.. وأسهب في خطبته مبرزاً استماتة أوائل المؤمنين عن دينهم الجديد.. ودون أن يدري أو بقصد متدارٍ.. لم يجد بداً من التطرق إلى حرب غزة.. فانهال بالدعاء لنصرة المقاتلين الغزاويين حاثاً المسلمين على رد العدا عنهم.. أسوة بقدماء المسلمين.. ودموعه تنهار سيولاً على خده ربما تأثراً بما يقول او هلعاً بما ينتظر عاقبته.. فلربما حرمته من تقاضي مرتبه الشهري الدسم.

أما في المساجد المنتشرة في بلدان العالم غير المسلم.. في إطار حرية تعدد الأديان.. شيدتها بلدان إسلامية تحظر بناء معابد دينية لغير المسلمين فوق أراضيها.. ولو مجاملة أو من باب المعاملة بالمثل.. تحدث أشياء لا تمت للإسلام بصلة. ففي أحد أيام الجمعة كنت بمسجد كبير بعاصمة أوروبية.. سمحت سلطات بلدها للمسلمين بتشييد قرابة 1800 مسجد ومصلّى.. ليقيموا شعائرهم الدينية بكل احترام. كان الزمن يسبق بيومين احتفال البلد بأعياد الميلاد. رأيت الخطيب وقتها وهو يحذر الناس ويتوعدهم بألا يوجهوا التهنئة للمسيحيين بمناسبة ميلاد النبي عيسى (ع).. باعتبار الأمر خارج عن ملّة المسلمين.. وبلغت درجة الوعيد حد التكفير والخروج من دين الإسلام. لم أصدق سمعي.. لكنني تأكدت من الشخص الجالس بقربي. توجهت عقب الصلاة إلى مكتب ذلك الإمام.. لأسأله عما ورد بخطبته وما الدليل القرآني الذي استند إليه أو الحديث النبوي الصحيح الذي أنطلق على أساسه.. تفادياً لمحظور ربما وقعنا به عن جهل.. فعاد ليؤكد على تكفير أي مسلم يهنئ جيرانه أو أصدقاءه المسيحيين بعيد الميلاد.. وأن من يشاركهم الهدايا مآله نار جهنم مباشرة. سألته.. إذن.. كيف أرد على التهاني التي ترد إليّ مجاملة وتعاطفاً من جيراني ومعارفي المسيحيين في مناسبات دينية إسلامية.. كأعياد الفطر والأضحى ومولد الرسول والسنة الهجرية الجديدة؟ والتي أصبح يُعلن عن حلولها في وسائل إعلامهم. كيف أتعامل مع أهل البلد المسيحي الذي أقطنه منذ عقود ووجدت بينهم ما لم أجده في أوساط المجتمع الإسلامي من ودّ وتراحم وتآزر وكل تقدير؟ كيف نُعرب لهم عن امتناننا وشكرنا لسماحهم لنا بفتح مساجد كي نؤدي شعائر ديننا دون تعصب أو حقد ديني متزمت.. ونحن نحظر فتح معابد لهم في بلداننا.. إلا في حدود ضيقة في بعضٍ منها؟ حاول تهدئة روعي داعياً إياي إلى الغذاء معه في بيته لأن الجوع أنهكه.. ثم استدار نصف دورة ليتركني دون جواب بحجة أن عائلته تنتظره على مائدة الطعام..

طعام صنعه له المسيحيون واشتراه هو من متاجرهم! ربما لم يدر ذلك الخطيب المفوّه.. المعتمد رسمياً من سلطات بلده لتهذيب البشر في الخارج.. أن الدين يقوم على معاملة الغير بالمودة والرحمة والاحترام.. وإن الرسول (صلى الله عليه وسلم) خير من أوصى بالجار أياً كان دينه وملته. لم يدر ذلك الإمام أن بدعوته تلك أظهر لي الجانب المنحط من الإنسان: الغذاء كرشوة!

للكاتب أيضا: 

رأي- الجبان الذي قرر أن يكون شجاعاً!

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى