
* كتب/ د. محمود أبوزنداح،
كثير من الليبيين لا يدركون حجم التاريخ الكبير الذي تمتلكه بلادهم، ذلك التاريخ الذي تحسدها عليه دول كبرى، فضلًا عن دول قريبة وبعيدة ترى في ليبيا أرضًا مفتوحة لكل العرب والأفارقة، وتتعامل مع ثرواتها باعتبارها حقًا مشاعًا يمكن الادعاء به عبر خطابات عاطفية تُمرَّر لخدمة مصالح شخصية لا علاقة لها بمصلحة ليبيا وشعبها.
لقد قدّمت ليبيا الكثير للعرب خلال عقود، وبقيت بلا فرض ضرائب حقيقية على ضيوفها، ولا التزامات مقابل ما يُقدَّم لهم. ومع مرور الزمن أصبح العدد المتزايد من الوافدين –خصوصًا في ظل ضعف الرقابة وفساد بعض المسؤولين– عائقًا أمام التنمية والاستقرار، ونافذة دخلت منها عادات سيئة وصورا من الجريمة والتهريب وغسل الأموال وبضائع مغشوشة ونفايات… كل ذلك نتيجة سوء إدارة وتراخٍ رسمي سمح بتفاقم المشكلات.
يسمع الطالب الليبي في الخارج أحيانًا كلامًا مؤسفًا من بعض الأساتذة أو الأفراد: من يقول إن ليبيا جزء من بلد آخر، أو أنها مجرد صحراء، أو أنها قبائل متنقلة! وحين يحاول الرد يجد نفسه أمام ضغوط أو تهديدات غير مباشرة، أو يتعرض لضرر أكاديمي أو مالي بسبب تأخيرات أو معاملات تتأثر بكونه ليبيًا. وكأن الليبي مطالب دائمًا بالدفع أكثر، والصمت أكثر، والتحمل أكثر.
إلى متى يبقى الليبي يدفع ثمن إساءات الآخرين؟
إلى متى تستمر دول وإعلام ووجوه احتضنتها ليبيا ودعمتها لعقود ثم تنكرت لها في أصعب اللحظات؟
ألم تقدّم ليبيا الكثير سياسيًا وعسكريًا وإنسانيًا؟ ألم يكن للمقاتل الليبي دور في حماية مطارات ومواقع عربية حساسة في زمنٍ مضى؟ ألم يكن للإعلام العربي ميزانيات من ليبيا دون أن يكلّف نفسه إنصافها أو الدفاع عنها اليوم؟
وإذا كانت القنوات العربية قادرة على بث مباشر من عواصم بعيدة وتغطية انتخابات في دول لا علاقة لها بالعرب، فلماذا لا نراها في ليبيا إلا نادرًا، ولماذا لا تنقل أخبارها الإيجابية إلا إذا كانت هناك دعوات رسمية أو أموال تُصرف؟
رغم كل ذلك، تبقى ليبيا بلد الشرف والعراقة، البلد الذي لا بيوت فساد تحكم صورته، والذي يحمل أبناؤه كبرياء ملوك حين يرتدون لباسهم التقليدي، فيبدو الواحد منهم كما لو كان صفحة من تاريخ حيّ.
الليبي الذي لم تُسجّل عليه هزيمة في معارك الاستقلال، والبلد الذي أنجب عمر المختار وجيلًا كاملًا من المجاهدين والمناضلين.
ليبيا أرض الحضارات المتراكمة: الفينيقية واليونانية والرومانية والإسلامية.
ليبيا التي أنشئت فيها أول جمهورية عربية حديثة، وأول صحيفة في المنطقة، وفيها من المواقع الأثرية ما يمتد لآلاف السنين، ومن المدن مثل غدامس ما هو أقدم من كثير من مدن العالم.
ليبيا التي خرج منها المبدعون والفلاسفة والكتّاب، والتي تمتلك أقدم المومياوات المحنطة في شمال إفريقيا، وصحراء تشبه الكواكب، وتراثًا إنسانيًا لا ينضب.
هذه هي ليبيا…
ليبيا التي تستحق احترامًا يوازي تاريخها، وصوتًا يليق بحاضرها، ومستقبلًا يبنيه أبناؤها بثقة وكبرياء.
فمن أنتم حتى تُنكروا مجدها؟



