
* كتب/ منير الساعدي،
في ظل التوترات السياسية المتصاعدة في ليبيا، تعرضت الانتخابات البلدية لهجمات ممنهجة تهدف إلى تعطيل العملية السياسية ومنع الشعب من ممارسة حقه الديمقراطي.
هذه الهجمات، التي شملت العنف المسلح والتخريب المتعمد، ليست أعمالاً عشوائية، بل هو جزء من استراتيجية تسعى إلى إبقاء البلاد في حالة الفوضى وتعزيز سيطرة القوى غير الشرعية على السلطة وخصوصا في المناطق الشرقية والجنوبية.
حيث تعددت أشكال العنف الموجه ضد الانتخابات البلدية عبر مناطق ليبيا. في المنطقة الشرقية، مُنعت الانتخابات في أحد عشرة بلدية، مثل بنغازي ودرنة وسرت وسبها، من خلال قيود أمنية مشددة فرضتها جماعات مسلحة تسعى للحفاظ على نفوذها السياسي. وفي المنطقة الغربية، شهدت بلدية زليتن هجومًا مسلحًا في 12 أغسطس 2025، حيث حاولوا تعطيلها ولكن بإرادة أهلها تمت الانتخابات. كما تعرضت مكاتب المفوضية في الزاوية والعجيلات للحرق المتعمد، في محاولات واضحة لتعطيل العملية الانتخابية.
هذه الأفعال، التي نفذتها مجموعات مرتبطة بأطراف سياسية، تهدف إلى ترهيب الناخبين ومنع إجراء انتخابات نزيهة، مما يعكس خوف هذه القوى من فقدان سلطتها.
فالانتخابات البلدية ليست مجرد إجراء إداري، بل خطوة أساسية لإعادة بناء النظام السياسي في ليبيا. نجاحها سيمهد الطريق لانتخابات برلمانية ورئاسية، وهو ما يثير قلق الأطراف التي تعتمد على السيطرة المسلحة بدلاً من الشرعية الدستورية والقانونية والشعبية. هذه القوى، التي فقدت شرعيتها الدستورية، تخشى المحاسبة على انتهاكاتها السابقة، مما يدفعها لاستخدام العنف للحفاظ على الوضع الراهن. كما يقول أحد المحللين السياسيين: “إنهم يقاتلون للحفاظ على بقائهم السياسي، لكنهم يدركون أن إرادة الشعب، إذا أُتيحت لها الفرصة، ستطيح بهم.”
ولمواجهة هذه التحديات، يتطلب الأمر استراتيجيات محددة لحماية العملية الانتخابية. أولاً، توفير البنية التحتية الأمنية والرقمية اللازمة لحماية مراكز الاقتراع ومكاتب المفوضية، خاصة في المناطق المتضررة مثل المنطقة الشرقية والجنوبية ومناطق زليتن والزاوية. ويمكن تطوير منصات رقمية باستخدام تقنيات مثل البلوكتشين لضمان الشفافية وتقليل التلاعب. ثانياً، ينبغي إنشاء لجنة دولية مستقلة بقيادة منظمات مثل الاتحاد الأوروبي أو الافريقي أو الأمم المتحدة لمراقبة الانتخابات، مع فرض عقوبات اقتصادية وسياسية فورية على الأفراد والجماعات التي تعرقل العملية، كتلك المسؤولة عن الهجمات في العجيلات والمناطق الشرقية والجنوبية. ثالثاً، يجب إطلاق حملات توعية من قبل المفوضية لتشجيع المواطنين على المشاركة، مع التركيز على أهمية صوتهم في بناء مستقبل ليبيا.
كما يجب على المجتمع الدولي أن يلعب دورًا حاسمًا في دعم هذه العملية. فالبعثة الأممية في ليبيا، على سبيل المثال، أدانت الهجوم على مكتب المفوضية في زليتن، مشيرة إلى أن مثل هذه الأفعال تهدف إلى ترويع الناخبين.، ولكنها لم تشر للمنع الشبه تام للعملية الانتخابية في المناطق الشرقية والجنوبية، الأمر الذي وجب منها أن تدين وتترجم هذه الإدانة إلى إجراءات ملموسة، مثل تمويل برامج حماية البنية التحتية الانتخابية وتوسيع نطاق المراقبة الدولية لتشمل المناطق المتضررة. كما ينبغي لمجلس الأمن فرض عقوبات على الجهات التي تثبت تورطها في عرقلة الانتخابات، لضمان عدم إفلاتها من العقاب.
تمثل الانتخابات البلدية أكثر من مجرد اختيار مجالس بلدية؛ فهي اختبار حقيقي لقدرة الدولة على استعادة الاستقرار السياسي وبناء نظام ديمقراطي عادل.
ونجاحها سيرسل إشارة قوية إلى المجتمع الدولي بأن الشعب الليبي قادر على استعادة سيادته السياسية. على النقيض، فإن فشلها سيمنح القوى المناهضة للديمقراطية مبررًا للاستمرار في سياساتها القمعية. والهجمات على الانتخابات البلدية، ليست مجرد اعتداءات على مؤسسات، بل هجمات على إرادة شعب يتوق إلى العدالة والاستقرار.
إلى المجتمع الدولي، نقول: قدموا الدعم العملي للشعب الليبي في معركته من أجل الحرية، من خلال حماية العملية الانتخابية ومحاسبة المعرقلين.
وإلى الشعب الليبي، نقول: صوتكم هو سلاحكم، وإرادتكم هي الدرع الذي سيحمي مستقبلكم. الديمقراطية في ليبيا، التي تُبنى بالصبر والتضحيات، لن تُهزم إذا وقف الشعب موحدًا.
فلنقف معًا من أجل ليبيا عادلة ومستقرة، حيث يتجسد صوت الشعب في صناديق الاقتراع، وتتحقق كرامته في نظام ديمقراطي يعكس إرادته.