اخبارالرئيسيةعيون

تمرير ميزانية “الإعمار” يفاقم الانقسامات في ليبيا

العربي الجديد-

نشر مجلس النواب الليبي، الخميس (01 يناير 2026م) قانوناً يقضي بتخصيص 69 مليار دينار لمصلحة “صندوق التنمية وإعادة إعمار ليبيا”، الذي يترأسه بلقاسم حفتر، لتمويل ما وُصف بـ”الخطة التنموية” الممتدة لثلاث سنوات. وبحسب نصّ القانون، تُوزع الاعتمادات المالية بواقع 25 مليار دينار تصرف خلال عام 2025، و23 ملياراً في عام 2026، و21 ملياراً في عام 2027، في واحدة من أضخم مخصصات الإنفاق التنموي التي يعتمدها مجلس النواب خلال السنوات الأخيرة.
ويأتي نشر القانون في الجريدة الرسمية بعد أن كان مجلس النواب قد اعتمد، في 17 يونيو من العام الماضي، ميزانية هذه “الخطة التنموية”، في خطوة أثارت آنذاك اعتراضاً واسعاً من قبل حكومة الوحدة الوطنية، التي رأت في اعتماد ميزانية موازية خارج إطار الميزانية العامة المعتمدة تعميقاً لحالة الانقسام المالي والمؤسسي في البلاد، ومساساً بمبدأ وحدة الإنفاق العام تحت سلطة تنفيذية واحدة.
وتزامن إنفاذ القانون بنشره في الجريدة الرسمية مع تحفظ معلن من مصرف ليبيا المركزي، الذي كان قد أبدى خلال الأشهر الماضية ملاحظات جوهرية على مقترح الميزانية المقدّم من مجلس النواب، محذراً من تداعيات مالية واقتصادية قد تترتب على التوسع في الإنفاق خارج الترتيبات المتفق عليها، في ظل هشاشة الوضع النقدي واستمرار الضغوط على الدينار الليبي.

وتعكس خطوة مجلس النواب إصراره على المضي قدماً في تنفيذ ميزانية “صندوق التنمية” في تعارض مباشر مع المسار الذي أُعلن عنه في 18 نوفمبر الماضي، حين كشف مصرف ليبيا المركزي عن توقيع اتفاق بين مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة حول “البرنامج التنموي الموحد” الذي سيجرى، بموجبه، صرف أموال “بند التنمية” في الميزانية العامة وفق آلية تقاسم بين شرق البلاد وغربها، بهدف كبح جماح الإنفاق الموازي الذي تسبب، بحسب بيان للمصرف وقتها، في هدر مليارات الدنانير خلال السنوات الماضية، وبهدف إعادة قدر من الانضباط والشفافية إلى إدارة المال العام.

ويرى مراقبون أن نشر قانون ميزانية “صندوق التنمية” في هذا التوقيت وبعد سبعة أشهر من إقراره، يعيد فتح ملف الخلافات العميقة حول شرعية القرارات المالية وتعدد مراكزها.
وبينما أبدى رئيس مجلس النواب، عقيلة صالح، في العديد من المناسبات، دعمه الخطط التنموية لجهاز “صندوق التنمية” لمعالجة عجلة الاقتصاد وتحريكها، اتهم رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبد الحميد الدبيبة، في عديد من التصريحات، صالح بالاستمرار في تبنيه نهجاً يفاقم الانقسام المالي ويقوض الجهود الرامية إلى ضبط الإنفاق.
وفي السياق يرى أستاذ الاقتصاد الليبي عبد السلام زيدان أن الميزانية في ليبيا “لم تكن يوماً ملفاً مالياً يُدار بعيداً عن خضم الصراعات السياسية”، بل “كان أداة أساسية” من أدوات الصراع، معللاً ذلك بأن الموازنات المالية تعبر عن “سؤال النفوذ: من يقرر الإنفاق ومن يوجه الموارد”.
ومن هذه الزاوية، نبّه زيدان إلى أن خطورة نشر قانون تخصيص 69 مليار دينار لصندوق التنمية، في قلب الاشتباك السياسي القائم، تكمن في توقيته ووظيفته لا في حجمه فقط.

وعلى الرغم من أن الخطة التنموية أُقرّت منذ يونيو الماضي، فإن نشر قانونها الآن يُقرأ، بحسب زيدان، كخطوة سياسية محسوبة وليس كإجراء إداري متأخر، موضحاً رأيه في حديثه لـ”العربي الجديد” بالقول إن اعتماد الخطة التنموية في يونيو الماضي كان أقرب إلى “تثبيت حق سياسي مؤجل”، فيما يعكس نشر القانون الآن “اختيار لحظة يراد فيها فرض الأمر الواقع، بتوظيف اشتداد حالة الانسداد السياسي والضغط الاقتصادي مع تعثر مسارات خطة الطريق الأممية الحالية، فنهج عقيلة صالح دوماً ما كان ينشط وسط الأزمات المالية لتمرير قرارات ثقيلة، لتقدم كضرورة للمرحلة، لكن هدفها العميق يأتي في خضم إعادة ترتيب لموازين القوة”.

ويحذّر زيدان من جدول توزيع الميزانية على مدى ثلاث سنوات، فالتقسيم إلى 25 مليار دينار في 2025، و23 ملياراً في 2026، و21 ملياراً في 2027 يجعل “الخطة التنموية ترتب التزام طويل الأجل على اقتصاد يفتقر إلى ميزانية موحدة ورؤية مستقرة للإيرادات، والأخطر أنه توزيع يقيد أي حكومة مقبلة، ويربط المستقبل المالي للبلاد بالتزامات لم تبنَ على تقييم واقعي لقدرة الدولة على التحمل”. وتعاني البلاد من أخطار تزايد حجم الدين العام الذي تجاوز 270 مليار دينار حتى سبتمبر الماضي، إذ من المرجّح بلوغه 300 مليار بنهاية العام المنصرم.
ومن الآثار المباشرة لخطوة مجلس النواب، كما يراها زيدان، تعميق أزمة النقص الحاد في السيولة النقدية التي “لم تعد أزمة نقد فقط، بل أزمة ثقة”، لافتاً إلى اتجاه الأفراد والتجارة لتحصين أنفسهم “بالكاش والدولار، ما يتسبب في توسع الاقتصاد غير الرسمي، ويصبح عندها الأثر التنموي غير حقيقي بتبدد جزء كبير منه في الاستيراد والعمولات بدل أن يتحول إلى قيمة مضافة”.
ويخلص زيدان إلى أن خطوة مجلس النواب في اتجاه إنفاذ قانون ميزانية “صندوق التنمية”، تمثل تصعيداً جديداً في مراحل إدارة الصراع عبر الأدوات المالية “ليطيل عمر الأزمة التي يستفيد منها الجميع للبقاء في السلطة، حتى وإن رُفعت الكلفة الاجتماعية والسياسية”.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى