
الناس-
حذر المركز الليبي للدراسات الأمنية والاستراتيجية من أن تباين الموقف الليبي إزاء اتفاقية ترسيم الحدود مع تركيا سيسهم في تعقيد المشهد الوطني وتغذية الانقسام، ويحول موضوع ترسيم الحدود البحرية إلى ساحة جديدة للصراع الإقليمي.
التقرير الذي نشره المركز في ديسمبر الماضي لا يتحدث عن انقسام بين شرق ليبيا وغربها، بل عن انقسام في موقف الشرق الليبي، إذ يؤكد أنه ليس موحدا “بل موزعا بين خط يسعى لتوظيف العلاقة مع تركيا لتحقيق مكاسب داخلية وإقليمية، وخط آخر يراهن على اليونان كمدخل للحصول على دعم أوروبي وسياسي.
وكانت ليبيا قد وقعت في العام 2019 على اتفاقية تقاسم الثروات مع الجانب التركي في البحر المتوسط، على قاعدة الدول المتشاطئة، والذي يمنح الدولتين مياها اقتصادية، ترفض دول أخرى كاليونان ومصر وقبرص الاعتراف بها، حتى بعد اعتمادها في الأمم المتحدة كحدود بين الدولتين.
ويرى المركز الليبي للدراسات أن حوض شرق المتوسط “مازال يشهد حالة متصاعدة من التنافس والصراع بين الدول المطلة وغير المطلة عليه، نظرا لما يمثله من أهمية جيواستراتيجية بالغة، بالمنطقة غنية بالموارد الطاقوية وتشكل في الوقت ذاته ممرا حيويا للتجارة الدولية وخطوط نقل الغاز نحو القارة الأوروبية” ويخلص إلى أن “في ظل هذه المعادلة، أصبح التحكم في ممرات الطاقة وتحديد المناطق الاقتصادية الخالصة عاملا مركزيا في إعادة تشكيل التوازنات الإقليمية”.
واعتبر أن الاتفاقية البحرية بين ليبيا وتركيا هي نقطة تحول مهمة، وفرت للجانب التركي مدخلا قانونيا لتعزيز حضورها في شرق المتوسط، وفرضت توازنات جديدة لم تكن في حسبان العديد من الفاعلين الإقليميين والدوليين.
كما أن الاتفاقية تمثل ردا عمليا على مشروع خط “إيست ميد” الذي طرحته اليونان ومصر وقبرص مع دولة الاحتلال لنقل الغاز إلى أوروبا- يقول
عندما رأت تركيا هذا التهميش لدورها وموقعها، ومحاولة إقصائها من سوق الطاقة الإقليمي رغم امتلاكها لشبكة واسعة من الأنابيب والغاز العابرة للحدود، وقد وجدت في الاتفاقية الموقعة مع ليبيا فرصة لاستعادة فرصها الضائعة.
يقول التقرير الذي صدر في (37) صفحة إن الاتفاقية مكنت انقرة من إضعاف إمكانية تنفيذ مشروع “ميدل إيست”، فضلا عن تعزيز موقعها في الملف الليبي عسكريا وسياسيا واقتصاديا، مما منحها أوراق ضغط إضافية ومداخل استراتيجية نحو القارة الإفريقية.
ومع ذلك –يقول التقرير- فقد أثارت الاتفاقية جدلا واسعا حول مشروعيتها القانونية، إذ ترى أطراف أنها تمثل تهديدا مباشرا لحقوقها في شرق المتوسط، في حين تعتبر دول أخرى أن تنامي النفوذ التركي في المنطقة وفي ليبيا تحديد يهدد مصالحها سواء في شرق المتوسط أو في أفريقيا.
التطور الذي حصل بوصول ترامب للبيت الأبيض، أن التحركات الدبلوماسية هدفت إلى تخفيف التوترات في شرق المتوسط، وأعيد طرح ملف الاتفاقية التركية- الليبية للنقاش.
ولجأت اليونان في هذا السياق إلى إحياء مبادرة قديمة لإنشاء منتدى إقليمي يضم الدول الساحلية بما فيها اليونان، قبرص، تركيا، مصر، وليبيا، بهدف مناقشة قضايا متعددة مثل الهجرة وحماية البيئة البحرية، والربط البحري، تقسيم المناطق البحرية، والحماية المدنية.
ومن خلال هذه النتيجة فقد فرضت ليبيا نفسها لاعبا في أي مفاهمات قادمة وما كان لها لولا توقيعها لهذه الاتفاقية منذ سبع ست سنوات ونيف. بل إن المنطقة كلها دخلت مرحلة جديدة من التنافس الجيوسياسي عقب هذه الاتفاقية.



