الرئيسيةرياضة

بیزان.. فتى من ذهب

كاتب أول السطور للعصر الحديث لفريق الاتحاد

*كتب/ مصطفى القعود،

ظلت جماهير نادي الاتحاد عميد الأندية الليبية تنتظر طويلا، وبفارغ الصبر من يفك نحس فريق كرة القدم، ويعود به إلى سابق عهده الذهبي، الزمن الذي كان اسم فريقها يتردد في الآفاق، وهو يحصد البطولات الواحدة تلو الأخرى منذ أن سطر اسمه في سجل الألقاب بأول بطولة لكرة القدم، وهي بطولة طرابلس في عام 1948-1949 وفي ذلك الوقت لم يتوقف قطاره السريع، ففاز ببطولة المحافظات الغربية في ستة مواسم، قبل أن تتحول البطولة إلى اسم (الدوري العام) والتي فاز بها في موسم 64-1965، ولكن ما حدث بعد ذلك شيء غريب، لم يجد له الاتحاديون أي تفسير، فهم فرحوا كثيراً بحصولهم على دوري1968-1969 بتشكيلة ضمت عمالقة الكرة ، على رأسهم السد العالي(نوري الترهوني) والثعلب (أحمد الأحول رئيس الفريق) و(فتحى مسعود) وهداف العرب وعاشق الشباك (علي البسكي)، ولكن العجلة توقفت دون سابق إنذار، وتلاشى اسم فريق الاتحاد بين الكبار، الذين يتخطفون الكؤوس.

ما الذي حدث؟ وإلى متى؟ كان هذا لسان حالهم، بعضهم فسّر الأمر على أن عامل السن بالفريق هو السبب، فلم يعد الترهوني قادراً على صد هجمات الآخرين، ولا الأحول استطاع إدارة دفة الفريق نحو منصة التتويج، ولم يعد البسكي كما كان يدك شباك الخصوم بقذائفه الصاروخية، وبعضهم رأى أنه سوء الحظ والنحس يرافقان فريقهم، والانتظار طويل ومر، لم تتعود جماهير النادي على ذلك، ولكن القدر كان يخبئ مفاجآت سارة لهم، فقد آن الأوان لكي تعود الأمور إلى نصابها، وتكتب السطور من جديد، والسؤال: كيف ذلك؟

في نهاية عام 1981 برز شبل من أشبال فريق كرة القدم بالنادي فاق أقرانه وتجاوزهم بمداعبته الكرة بشكل يختلف عن الآخرين، وبتصميم ومتعة قل نظيرهما وبطريقة خاصة في الوصول إلى الشباك، لفت الأنظار وسئل مدربه (عبد السلام محمد) اللاعب السابق عن اسم هذا الفتى فقال إن اسمه (عزالدين عثمان بيزان)، إذاً هو ليس غريباً عن كرة القدم، فوالده كان نجماً كبيراً من نجوم كرة القدم بالنادي وفي ليبيا، ومن أوائل من ضمتهم تشكيلة فريق كرة القدم بالنادي صحبة (عبد السلام كريم، ومسعود الزنتوتي وسالم شرمیط) وغيرهم.

وعندما انضم عزالدين إلى فريق الأواسط بالنادي تحت إشراف المدرب واللاعب السابق (المهدي السوكني) أصبح البعض يردد اسم هذا اللاعب في انتظار ما تأتي به الأيام القادمة، وهل سيستطيع أن يشق طريقه بنجاح أم أن الشمعة ستنطفئ سريعا؟ وفي العام 1984 انتقل بيزان إلى بؤرة الحدث من خلال مشاركته مع زملائه في مباريات البطولة الثانية لدورة (محمد علي عقيد) التي نظمها النادي الرياضي الصفاقسي التونسي، وتوج الاتحاد بطلاً لها، وقد أتيحت الفرصة له أن يشارك كبديل في مباراتين، أما أول مباراة رسمية تضم تشكيلتها (عز الدين بيزان) فكانت ضد فريق الظهرة كلاعب بديل، وذلك بتاريخ 18-1-1985، وانتهت بتعادل الفريقين (1-1)، وبنظرة ثاقبة للمدرب القدير وشيخ المدربين (محمد الخمسي) وبقراءة مستقبلية احتضن هذا الفتى واعتنى به بشكل خاص، وعندما لامه البعض قــــال لهم بكل ثقة : انتظروا قليلا ستعرفون أن هذا الفتى هو العصفور النادر الذي ظللتم تبحثون عنه وستودعون الأيام الصعبة التي مرت عليكم دون أن تفرحوا بتتويج، وافتحوا خزائن النادي التي لم تفتح منذ موسم 1968-1969.

وانطلق الفتى بسرعة فائقة نحو تحقيق هدف الجماهير وأهدافه الشخصية، وفرض اسمه على الجميع من مشجعين وخصوم، حتى ارتبط اسم الاتحاد ببيزان وأصبح السؤال المعتاد هل سيشارك بيزان أم لا؟! هذا اللاعب الخجول الهادئ في شخصه ، لم يكن هكذا في الملعب، فهو لم يرحم حراس المرمى مهما كانت أسماؤهم وشهرتهم من أن تلج أهدافه الجميلة مرماهم، بدأ بيزان يعيد اسم الاتحاد إلى الساحة من جديد بعد سنوات عجاف، بفضل مهاراته وإمكانياته التي لا يختلف عليها اثنان إضافة إلى ما تميّز به من خبث كروي مسموح لا يجيده غيره، ليحمل قائد الفريق حينذاك الحارس (محمد لاغا) كأس بطولة الدوري موسم 1985-1986، صحيح أن التشكيلة ذلك الموسم لم تخل من لاعبين كبار مثل (الحارس لاغا وسليمان عمر، ابوبكرباني، سليم أبو جراد) وغيرهم، إلا أنه مع احترامي لكل هؤلاء كان (بيزا) هو الرقم (1) والعصفور النادر الذي طالما انتظرنا تغريده، هذه الكتيبة الاتحادية بإدارة المدرب الخمسي حصدت اللقب مرة أخرى في موسم 1987-1988، وموسم 1988-1989، وقام (محمد (الخمسي) وقبل أن يترك تدريب الفريق بعد مباريات قليلة باتخاذ قرار جريء، ولكن الجميع قبله بكل ترحاب، وهو منح شارة كابتن الفريق لعز الدين بيزان، تتويجاً واعترافا بمجهوداته التي كانت من الأسباب الرئيسية للتفوق، ولم يخيب عز الدين ظنهم، فاكتسح بأهدافه جميع الفرق ، وحمل كأس الدوري للمرة الخامسة في تاريخه.

استمر بيزان في الملاعب يصول ويجول ويحصد الألقاب والإعجاب ووضع اسمه بين الكبار، حاول البعض أن يقلده وفشل، فهو لاعب ذو نكهة مختلفة، ويملك أسرار خاصة به، وروى لي أحد اللاعبين السابقين أن حكم إحدى مباريات الاتحاد توعّد عزالدين بأنه إن ادعى السقوط في منطقة جزاء الخصم فسيطرده، فتبسم وقال في نفسه: سترى، وتحصل عز الدين كعادته على ركلة جزاء اعتبرها الحكم صحيحة، وساهمت في فوز فريقه، وعندما انتهت المباراة جاء إلى الحكم وقال: أرأيت كيف حصلت منك على ركلة جزاء وبصفارتك!! أيضا قيل أن أحد اللاعبين قال لعزالدين في الملعب سأمثل بطريقتك، وسأحصل على ضربة جزاء، فرد عليه: حاول إن استطعت!!، ولكن الموقف كان كوميدياً، وأضحك الجمهور وعز الدين، فقد حاول ذلك اللاعب التقليد فأصاب نفسه، وأشهرت في وجهه البطاقة الصفراء. الحديث يطول، وهو شيق بالنسبة لي، ولكن المساحة المخصصة لا تسمح.

فعز الدين بيزان بلا جدال هو كاتب أول السطور للعصر الحديث لفريق الاتحاد لكرة القدم، ولولا ظروف الحصار الذي تعرضت له ليبيا، وظروف المشاركات المتقطعة، وعدم الاهتمام الكافي بالمنتخب الوطني في فترة توهج بيزان وجيله من أمثال (ونيس خير، وإبراهيم المعداني) وغيرهما، لكان لعز الدين بيزان إنجازات أخرى تسجل في سجل الكرة الوطنية.. هذا الساحر ترك بصماته في ملاعبنا وأمتع جماهيره وخصومه في آن واحد، خصصنا له بعض السطور لعلها تفي بعض الشيء للتعريف بــ فتى من ذهب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى