
* كتب/ محمد اللديد،
بدأت القصة بنقاش عابر جمعني بصديق حول مفارقة زمنية نمر بها جميعاً دون توقف، حيث لاحظ أن الأشهر الميلادية ثابتة لا تتزحزح عن فصولها، بينما الأشهر الهجرية تبدو كالمسافر الرحال؛ تمر على الصيف والشتاء دون استقرار.
ولم يتوقف النقاش عند هذا الحد، بل امتد إلى جذور التسميات وكيف لربيع الأول أن يأتينا في برد الشتاء وجمادى الأولى أن تحل في حر الصيف؟ وهل يعقل أن يُسمى شهر بالربيع بينما الأرض قفر، وآخر بالجمادى بينما الماء سائل؟
وتطرق الحديث إلى أصل التقويم نفسه، ذلك الاختراع الإنساني القديم الذي وُجد لخدمة الزراعة، والصيد، والتجارة، وحتى الحرب، وتذكرتُ كيف كان العرب قبل الإسلام يملكون أشهُراً حُرماً لكنهم كانوا يتلاعبون بها ويؤخرونها أحياناً لمواءمة مصالحهم، فما هي قصة هذا التلاعب؟ ولماذا اعتمدنا تقويماً لا يثبت مع الفصول؟ والإجابة عن حيرة الأسماء تكمن في لحظة التسمية؛ فأسماء الأشهر الهجرية وُضعت في الجاهلية، وفي اللحظة التاريخية التي سُميت فيها كانت الأسماء تطابق الواقع الفعلي تماماً، فسُمي ربيع الأول وربيع الآخر لأنهما وقعا فعلياً في فصل الربيع حيث تزدهر الأزهار، وسُمي جمادى الأولى وجمادى الآخرة لأنهما وقعا في فصل الشتاء حيث تتجمد المياه، لكن التقويم الهجري هو تقويم قمري محض يعتمد على دورة القمر حول الأرض، بينما الفصول تتحدد بدورة الأرض حول الشمس، وبسبب هذا الفارق بدأت الأشهر تتأخر عن مواسمها الأصلية سنة بعد أخرى، بينما بقيت الأسماء كما هي كأحجار متحجرة تحمل ذكريات مناخ لم يعد يطابقها، ولنفهم العلم وراء هذا التنقل يجب تبسيط المعادلة الفلكية.
فالسنة الشمسية تساوي 365 يوماً وربعاً تقريباً، وهي المدة التي تكمل فيها الأرض دورتها حول الشمس وبالتالي تتحدد الفصول الأربعة، أما السنة القمرية فتساوي 354 يوماً فقط، والفارق هو 11 يوماً كل سنة، وقد يبدو الرقم صغيراً لكن تراكمه يصنع العجائب، فهذه الأيام الإحدى عشر تتراكم عاماً بعد عام حتى تكمل الأشهر الهجرية دورة كاملة على جميع الفصول الشمسية كل 33 سنة هجرية تقريباً، لذا فإن ربيع الذي رأيته في الشتاء هذا العام قد تراه في الصيف بعد 16 عاماً، وكلا التقويمين يستخدم السنة الكبيسة لضبط الدورة لكن الهدف مختلف؛ فالميلادي يضبط الفصول والهجري يضبط القمر دون الدخول في معادلات معقدة.
وفي نقاشنا أشرنا إلى أن التقويم وُجد لخدمة الحياة المادية، وهذا ما يفسر ظاهرة تاريخية خطيرة كانت سائدة في الجاهلية تسمى “النسيء”، وكان العرب يرون أن التقويم القمري لا يخدم مصالحهم الزراعية والتجارية لأنه لا يثبت مع الفصول، فكانوا يضيفون يوماً أو شهراً أحياناً لمواءمة الأشهر القمرية مع المواسم الشمسية، والأخطر من ذلك كانوا يتلاعبون بالأشهر الحرم فيؤخرون حرمة شهر محرم إلى شهر صفر مثلاً ليُحلوا القتال في محرم إذا احتاجوا للحرب ويحرمون بدلاً منه شهراً آخر، وكان هذا التلاعب يخدم الأغراض القبلية والتجارية لكنه أحدث فوضى زمنية وأخلاقية، فجاء الإسلام ليحسم الأمر في حجة الوداع ويعلن إلغاء النسيء تماماً ويثبت التقويم على حاله القمري؛ قال الله تعالى في سورة التوبة: ” إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا”، وبذلك فُصل التقويم عن الفصول وأصبح ثابتاً لا يتلاعب به أحد، وقد يسأل سائل: لماذا لم يُعتمد التقويم الشمسي في الإسلام ليرتبط بالمواسم الثابتة؟ والإجابة تكمن في طبيعة العبادات والتاريخ؛ ففي عهد الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه بدأ الاعتماد الرسمي للتقويم الهجري بعد قصة أبي موسى الأشعري الذي كتب إلى عمر بن الخطاب رضى الله عنه يشكو من أن “الكتب تأتينا من أمير المؤمنين غير مؤرخة”، فجمع عمر الناس وسألهم عن التاريخ، فأشار بعضهم إلى بداية البعثة وآخرون إلى الوفاة، حتى استقر الرأي على الهجرة، فاستشار الصحابة واقترح سيدنا علي بن أبي طالب رضي الله عنه البدء من سنة الهجرة لتكون بداية واضحة للأمة، ولو كان شهر رمضان أو موسم الحج مرتبطاً بالفصول الشمسية لكان الناس في خط الاستواء يصومون دائماً في حرّ لافح، ولكان الناس في الشمال يصومون دائماً في برد قارس، لكن بحكمة إلهية جاء التقويم القمري ليحقق العدل، فدوران الأشهر مع الفصول يعني أن الأجيال تتناوب المشقة واليسر؛ جيل يصوم في الشتاء القصير وجيل يصوم في الصيف الطويل، وهكذا تتوزع المشقة على جميع المسلمين في بقاع الأرض عبر الأزمنة، وفي نهاية نقاشنا مع الصديق أدركنا أننا نعيش بتقويمين لا يتعارضان بل يتكاملان؛ فالميلادي نستخدمه لحياتنا المادية (مواعيد الزراعة والمواسم الاقتصادية والفصول المناخية)، والهجري نستخدمه في عباداتنا (مثل المناسك وتذكير بمرور الزمن دون الارتباط بالأرض)، وأسماء الأشهر الهجرية رغم أنها لم تعد تطابق فصولها تبقى شواهد تاريخية تخبرنا عن مناخ شبه الجزيرة العربية قبل آلاف السنين، وتذكرنا بأن الزمن قد يتغير لكن الثوابت الروحية تبقى هي الميزان.



