اخبارالرئيسيةفضاءات

الناس في ضيافة دار المقتنيات الليبية في مصراتة

مفتاح أبو غولة: من بين أثمن المقتنيات مصحف يزيد عمره عن 200 عام اشتريته من مدينة العجيلات بآلاف الدنانير

 * كتبه: عبدالعزيز عيسى – تصوير: محمد شاكير

داخل منزل مواطن في أحد أحياء مدينة مصراتة، تبرز حكاية لرجل قرر منذ عقود أن يضع نفسه حارساً للذاكرة الليبية، عبر “دار المقتنيات الليبية”، وهو مشروع ثقافي شخصي، تحوّل مع الوقت إلى ما يشبه متحفاً وطنياً مصغّراً للموروث الشعبي

بدأت هواية جمع المقتنيات القديمة مع “صاحب الدار” منذ الصغر، حين كان يحتفظ بكتبه المدرسية وكراساته، ثم تطورت لاحقاً لتشمل سجلات نقل البضائع خلال عمله في ميناء مصراتة في ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي.

ومع مرور الوقت، تحوّلت الهواية إلى مشروع حياة، ظلّ حاضراً في ذهنه أكثر من 37 عاماً، قبل أن يرى النور فعلياً مع نهاية العام 2021، حين تأكّد له امتلاكه مخزوناً كبيراً من المقتنيات الشعبية اقتطع لها مساحة تقارب 700 متر من منزله لعرضه فيها

أول قطعة

يقول “مفتاح عبد الله أبو غولة” بأن “داره مفتوحة للجميع دون استثناء”، مشيراً إلى صندوق صغير يحتوي على رمل جمعه من المنطقة الشرقية، ويقول: “أنا مع ليبيا واحدة، أريد وحدة البلاد”.

يسترجع محدثنا ذاكرته، بأن أول قطعة اقتناها كانت مسجلاً يعود تاريخ تصنيعه إلى عام 1979، إلى جانب قطعة من اللباس المحلي قامت والدته بصناعتها، ويربط في حديثه بين بدايات جمعه الأشياء بمرافقته لوالده –رحمه الله– لمجالس الذكر وتسجيله للتلاوات فيها بأداة تسجيل بسيطة، يقول أن والده كان يختبره باستمرار، ويسأله عن تسجيلات قديمة ليتأكد من احتفاظه بها، الأمر الذي شجع الوالد على شراء دولاب خاص لابنه لحفظ المقتنيات، لتبدأ الحكاية بالتشكل تدريجياً.

 

الدار مفتوحة للجميع دون استثناء و لم أتلقَّ أي دعم رسمي حتى الآن

محتويات الدار ليست من مصراتة فقط، بل من جميع مدن ومناطق ليبيا

ما هو معروض حالياً لا يتجاوز 50% من مجموع ما أملكه، بينما البقية محفوظة في مخازن وحاويات

لكل قطعة حكاية أعرف تفاصيلها، من مكان شرائها إلى ثمنها

 

وتضم “دار المقتنيات الليبية”، مئات القطع التي لم يتسع لها المكان، إذ يحتفظ صاحبها بحاوية تضم مقتنيات شعبية إضافية، وأرض خاصة توجد بها معدات زراعية قديمة، مضيفاً أن ما جمعه من مقتنيات لم يكن من مصراتة فحسب، بل جمعها من مختلف مناطق ليبيا وأريافها، من الكفرة ودرنة والجنوب عبر علاقاته الشخصية، في زمنٍ لم يكن فيه إنترنت، وكان ثمنها من ماله الخاص لشرائها.

آلاف السنين

من أقدم ما تحتويه الدار شجرة يُقدّر عمرها بآلاف السنين، بينما يعتبر “أبو غولة” أن أثمن مقتنياته هي متعلقات والديه، مؤكداً أنه لن يبيعها مهما بلغ الثمن. ويقول: “أنا ربطت ماضي الأجداد بحاضرنا، وأنا حامل لرسالة الجيل القديم إلى الجيل الجديد”.

فُتحت أبواب دار المقتنيات الليبية للجمهور في فبراير2023م حسب محدثنا، الذي قال أن داره استقبلت وزير السياحة، وممثلين عن وزارات الخارجية والثقافة، وضيوف من الصين والهند وتركيا وإيطاليا وإسبانيا والسودان ومصر وتونس والجزائر ونيجيريا.

ورغم هذا الحضور، لم تُسجَّل الدار رسمياً حتى الآن، وهو ما يبرره محدثنا بقوله: “ننتظر اكتمال بناء بيتنا الداخلي”. ويكشف عن تفكير في تطوير المشروع وتوسعته، لعرض المقتنيات بشكل أفضل، خصوصاً أن ما هو معروض حالياً لا يتجاوز 50% من مجموع ما يملكه، بينما البقية محفوظة في مخازن وحاويات.

كل سبت

يتابع حديثه أن الدار تفتح أبوابها كل يوم سبت بين صلاتي العصر والمغرب، بينما تتم الزيارات في بقية الأيام بعد التنسيق عبر الهاتف، مشيراً إلى أنه يستقبل ضيوفاً بشكل شبه يومي، بما في ذلك طلاب المدارس. كما يرفض فرض أي رسوم دخول، مؤكداً أن محتويات الدار ليست للبيع، رغم تلقيه عروضاً لشراء بعض القطع.

حتى اللحظة، لم يتلقَّ أي دعم رسمي، ويأمل في دعم الدولة عبر توفير قطعة أرض تُقام عليها توسعة للمشروع، قائلاً إن لديه تصوراً متكاملاً لذلك. ويضيف أن من بين مقتنيات الدار معدات صيد اشتراها من كبار في السن كانوا يثقون به.

وعن مصير هذا الإرث بعده، يقول إنه يعتزم إعداد ورقة توثيقية تضمن بقاء المقتنيات للأجيال القادمة ومنع بيعها، مؤكداً أن لكل قطعة حكاية يعرف تفاصيلها، من مكان شرائها إلى ثمنها.

70٪ من موروثنا

لا يخفي “أبو غولة” مخاوفه من اندثار الموروث الثقافي مع تسارع وتيرة التطور، موضحاً أن الدار تعرض للأجيال كيف عاش الأجداد حياة بسيطة، وكيف عمّر الفلاح الأرض وجنى محصوله بأدوات بدائية، أملاً في أن تستلهم الأجيال الجديدة العبر من تلك التجارب. ويقدّر أن ما جمعه حتى الآن يمثل نحو 70% من الموروث الثقافي فقط

من بين مقتنيات الدار كاميرا تصوير من نوع “سوني” اشتراها عام 1991 بمبلغ 2650 ديناراً، وهو مبلغ كان يكفي آنذاك لشراء أرض مساحتها 5000 متر في منطقة قزير. ويؤكد أن لا أحد، حتى جيرانه، كان يعلم بهوايته طوال سنوات الجمع.

القطعة الأخيرة

آخر قطعة دخلت الدار كانت كأس شاي كريستال أهداه له أحد أصدقائه خلال زيارته الدار السبت الماضي

كما تضم الدار مكتبة تزخر بالصحف والمجلات القديمة، والمخطوطات والمجلدات والكتب التي توثق لمعركة الجهاد الليبي وتاريخ ليبيا منذ الفتح العربي، إضافة إلى الألبسة الشعبية، وصور لرموز وطنية مثل رمضان بك السويحلي، وبشير السعداوي، وشيخ الشهداء عمر المختار، والملك الراحل إدريس السنوسي، إلى جانب صور قديمة نادرة.

في أحد أركان الدار، تُعلّق آلات موسيقية وصور لمشايخ أجلاء، وأشرطة فيديو قديمة توثق للأفراح والحجاج، وأكثر من 400 صورة قديمة لمصراتة تعود إلى أواخر التسعينيات، كما تضم آلات كيل ووزن يعود تاريخ صنع بعضها إلى عام 1917 وأخرى إلى 1942، ونوط واجب مؤرخ بسنة 1980.

وتحتوي الدار أيضاً على فخاريات لحفظ الزيت والشحوم، ومعدات مطبخ قديمة، ودراجات هوائية بعضها مزدوج القيادة صُنعت عام 1972، وكاميرات ومراوح ودفايات وأدوات رحي الحبوب، ومصحف يعود إلى عام 1930، وكأس رياضي يحمل سنة 1982، ومعدات صيد متنوعة.

كما تضم بنادق صيد بمسمياتها المختلفة مثل “الدقرة” و”البندقة” و”أم حريب” و”بو صوان” و”المسدس”، تحمل أختاماً وسنوات صنع تعود إلى أعوام 1800 و1900 و1911 و1915 و1943. ويحتفظ “أبو غولة” بعشرات الآلاف من العملات المعدنية، ومنتجات الصوف والسعفيات، والطوابع البريدية، والإلكترونيات القديمة، إضافة إلى كاميرا حصل عليها هدية من أحد مرتادي الدار.

أثمن المقتنيات

من بين أثمن المقتنيات التي تزخر بها الدار مخطوط ومصحف يزيد عمر كل منهما عن 200 عام، اشترى المصحف من مدينة العجيلات بآلاف الدنانير، إضافة إلى صندوق يعود إلى عام 1940، ونوط عمره قرن من الزمن.

وخلال وجودنا في الدار، لم يتوقف تدفق الزوار، بعضهم اصطحب أبناءه لتعريفهم بماضي الأجداد.

تحتاج زيارة الدار إلى وقت طويل للإحاطة بحجم الموروث الذي تحتضنه، فهي أقرب إلى متحف وطني مصغّر للهوية الليبية، يعاني من نقص الترتيب والدعم، لكنه يقف شاهداً على جهد فردي نادر، يقاوم النسيان، ويصرّ على أن للذاكرة مكاناً حياً في الحاضر.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى