
الأناضول-
يتصاعد الجدل في ليبيا حول أزمة المهاجرين غير النظاميين، وتذهب أوساط حكومية إلى أنه يشكل خطرا على الأمن القومي، فيما يذهب آخرون إلى أن الموضوع مرتبط بتوازنات دولية واستحقاقات لدول استعمارية تجاه شعوب رزحت تحت احتلالها طويلا.
وزير الداخلية الليبي عماد الطرابلسي قدر في 14 مارس الماضي عدد المهاجرين غير النظاميين في ليبيا “بأكثر من 3 ملايين”.
واعتبر الطرابلسي في تدوينة على فيسبوك أن “هذا الوضع غير مقبول على الإطلاق وأن ملف الهجرة غير النظامية هو ملف أمن قومي”.
أما عضو المجلس الأعلى للدولة علي السويح، فاعتبر الملف “مهددا للأمن القومي لكل بلدان شمال إفريقيا”، فيما بيّن أن “ليبيا تعاني مع الفراغ الكبير ووجود حكومتين وهذا الملف لم يكن مفهوما للسلطات وللرأي العام”.
وأضاف السويح في حديث للأناضول: “الأمر مخطط له من قبل وليس من الآن، وتواجد الأجانب في دولة ما لابد أن يخضع لتنظيم واضح”.
وتابع: “أما أنك تفتح الباب على الغارب وتُستباح في بلدك من جنسيات أخرى فإنك بعد وقت ستكون أمام مواجهة مشكلة كبيرة وهي حدوث تغيير ديموغرافي وفقدان السيادة”.
** ليبيا لا تستطيع حل مشاكل دول أخرى
وقال السويح إن ليبيا “دولة ذات سيادة من حقها تنظيم العمالة، إذا انتظم الشخص ودخل بطريقة رسمية أهلا به أما إذا كان متسللا وبطريقة غير شرعية أو يتخذ ليبيا منطقة عبور فمن حقنا المحافظة على وطننا ونختار من يدخل”.
وعن تونس، قال: “أتذكر موقف تونس عند لجوء الليبيين إلى تونس (خلال أحداث ثورة 2011)، السلطات التونسية سهلت الأمور لليبيين وهذا إيجابي ولكن هذه المسألة كانت مؤقتة”.
واستدرك قائلا: “أما إذا استمر الأمر لمدة طويلة فإنه يحتاج إلى تنظيم، وليبيا تعاني من عدة مسائل اقتصادية واجتماعية ولا تستطيع حل مشاكل دول أخرى وبأعداد كبيرة”.
وعن أعداد المهاجرين في ليبيا قال السويح: “أتوقع أن يكون العدد أكثر مما تم التصريح به (3 ملايين)، فالكثير دخل بطريقة غير شرعية”.
** تهديد للأمن القومي
وأضاف السويح: “في كل الأحوال الملف يطفو على السطح بشكل كبير وبدأ يشكل تهديدا للأمن القومي وللدول المجاورة، وإذا انفلتت الأمور في ليبيا ستنفلت عند جيراننا في تونس والجزائر”.
وحول الإجراءات في التعامل مع الموضوع، أفاد بأن “هؤلاء الناس جاؤوا إلى ليبيا ليس لأن أمورهم في بلادهم جيدة، فبعضهم يبحث عن لقمة العيش وبعضهم يريد الذهاب الى أوروبا، وبعضهم يمارس المخدرات والشعوذة ولا يضيفون شيئا إلى البلد”.
وأضاف: “الملف ساخن جدا وعلى الليبيين والسلطات أخذ الأمور بجدية، من حقنا أن ننظم بلدنا ونختار من يدخل”.
** “مسؤولية الاستعمار“
واعتبر السويح أن “مشكلة إفريقيا أسبابها استعمارية صرفة”، مفسرا ذلك بأن “دولا وشركات دولية تمتص خيرات القارة والشعوب تبقى فقيرة”.
“وبالتالي تبحث هذه الشعوب عن حياة أفضل غير موجودة في بلدانهم، لكن المشكل لا يحل على حساب ليبيا وعلى استقرار شمال إفريقيا بالكامل”، وفق المسؤول الليبي.
وأردف مشددا: “يجب على بلدان شمال إفريقيا أن تتحد أمام هذا الملف وتُحمِّل دولا أوروبية مسؤولياتها لأنها استغلت هذه الشعوب لعشرات السنين”.
والحل وفق السويح يكون “في إطار مغاربي والاتفاق مع الدول الأوروبية ولا ننصح بالتعامل العنيف مع هذا الملف”.
** الهجرة غير النظامية إرث قديم
أما رئيس المرصد التونسي لحقوق الإنسان (مستقل) الخبير بالشأن الليبي مصطفى عبد الكبير فإنه يرى أن الهجرة كانت مركزة إلى ليبيا منذ عقود مع وصول القذافي للحكم في العام 1969.
ولفت عبد الكبير في حديث للأناضول إلى أن “جميع دول الجوار كانت فقيرة (آنذاك) مثل مصر وتونس والسودان، وليبيا كانت دولة غنية بترولية مع كثافة سكانية ضعيفة وتحتاج يد عاملة إفريقية”.
وأضاف: “القذافي (حكم البلاد من 1969-2011) له نظرة أخرى للمهاجرين، في مرحلة أولى من حكمه كانت هناك نظرة إنسانية أن هؤلاء يحتاجون ليبيا التي هي جزء من إفريقيا وتحتاج عمالة فاحتواهم”.
وتابع: “أما الفترة الثانية فكانت في العشرين سنة الأخيرة من حكم القذافي انتقلت النظرة من الجانب الإنساني إلى جانب سياسي، فأصبح يستعملهم كلما دخل في حوار وفي خلافات اقتصادية سياسية مع الاتحاد الأوروبي”.
ووفق عبد الكبير “كان (القذافي) في بعض الأحيان يجلبهم عمدا ويوجههم نحو البحر حتى تعترف إيطاليا أنها ارتكبت مجازر وتعتذر علنا”، وفق قوله.
** سقوط القذافي عمّق المشكل
وقال: “بعد سقوط القذافي الاتحاد الأوروبي يعتبر أن ذلك عاد بالوبال عليه باعتبار أن 3 ملايين مهاجر يعيشون في ليبيا والآن الرقم يرتفع وينخفض بسرعة”.
وتابع عبد الكبير: “بتقدم المدة أوروبا كلفت إيطاليا بقيادة المفاوضات في ملف الهجرة لم تفاوض الحكومة الليبية بل المليشيات المسلحة”.
** رسائل ليبية
ولفت إلى أن وزير الداخلية الليبي يتحدث من منطق أن “الموضوع الذي يطفو على الساحة العالمية وفي شمال إفريقيا هو الهجرة غير النظامية”.
وتابع عبد الكبير: “كأنها رسالة إلى الداخل نحن نقوم بواجبنا الإنساني وفي المقابل لسنا مستعدين أن نكون منصات خلفية لتجميع المهاجرين حتى لا يدخلون أوروبا”.
ووفق عبد الكبير “هناك رسالة إلى الخارج مفادها أنه لنا سيادة ولنا طاقة استيعاب والخدمات الموجودة وفق ما نحتاجه من عمالة”.
وأضاف: “هو يقول لست مستعدا للتفاوض حول إقامة مخيمات توطين وهي نفس إجابة تونس والمغرب وموريتانيا”.
وفي 17 مارس الماضي، قال الطرابلسي في لقاء مع سفراء دول وممثلي بعثات الاتحاد الأوروبي والمنظمة الدولية للهجرة والمفوضية الأممية لشؤون اللاجئين، إن “ليبيا لن تتحمل وحدها أعباء الهجرة غير الشرعية، ولن تكون منطقة توطين”.
وتعد ليبيا، المطلّة على البحر المتوسط، نقطة عبور لمهاجرين أفارقة غير نظاميين إلى أوروبا، ويقبع الآلاف منهم داخل مراكز إيواء ليبية.
وتشتكي ليبيا من تخلّي أوروبا عنها في مواجهة الهجرة، وتشدد على أنها بلد “عبور فقط وليست بلد منشأ” للمهاجرين.