
* كتب/ خالد الجربوعي،
اتخذت مصر موقفا واحدا تجاه الأزمة الليبية خلال السنوات الماضية، داعما لأحد أطراف الصراع بكل قوة، سياسيا وعسكريا وحتى مشاركة في الحرب والقصف لعديد المواقع والمدن الليبية.. فوقفت مع من يريد إعادة حكم الفرد والعسكر للبلاد ليكون حليفا لها وجزءا من منظومتها الإقليمية، فقدمت له كل الدعم والمساندة حتى في حربه التي خاضها داخل البلاد للسيطرة على جزئها الشرقي، ودعمته في عدوانه على العاصمة طرابلس يوما والذي عاد منه يجر أذيال الخيبة.. بل وصل الأمر إلى تحديد سرت الجفرة كخط أحمر لمصر لا يجب تجاوزه من قوات سلطات غرب البلاد بعد هزيمة المعتدي على العاصمة وانسحابه إلى مناطق سيطرته، مع مطاردة قوات الحكومة التي كانت في طريقها إلى الوصول إلى أكثر مما وصلت إليه شرقا، لولا التدخل المصري وتصريحات فرعونه بضرورة التوقف عند حدود سرت.
إضافة إلى الوقوف إلى جانب جماعة البرلمان ورئيسهم ومن قسموا البلاد بحكومات موازية، وإن كانت القاهرة لم تتواصل بشكل مباشر مع هذه الحكومات الموازية التي يشكلها البرلمان ومن وراءه لتقسيم البلاد وسلطته التنفيذية، لأنها تعرف أنها مجرد حكومة وهمية لا أهمية لها فعليا، وجدت لتنفذ ما تؤمر به من قبل الحاكم العسكري وأبنائه برعاية رئيس البرلمان لا غير.
واستمر هذا الأمر طويلا مما عرقل التواصل مع السلطة المعترف بها دوليا بشكل مباشر، وإن كانت هناك بعض المحاولات من حين لآخر، إضافة إلى التعامل مع وزرائها في المواقف الرسمية والمشاركات الإقليمية الفعلية، لكن دون تواصل رسمي ومباشر معها، رغم محاولات حكومة طرابلس فتح الباب للتواصل المباشر مع أعلى السلطات المصرية لأكثر من مرة حتى إنها فتحت المجال أمام الشركات المصرية ليكون لها مكان في إنجاز عديد المشاريع العامة داخل العاصمة طرابلس وجوارها. لكن كل ذلك لم يفلح في تغيير موقف السلطات المصرية من الأزمة الليبية واتخاذها موقفا واحدا لا يتغير.
حتى كانت حادثة “طائرة الحداد ورفاقه” وما نتج عنها من كارثة وفقدان لعدد من القادة العسكريين لسلطات طرابلس لتجد القاهرة الفرصة المناسبة للتواصل المصري المباشر مع سلطات طرابلس، وتحديدا مع رئيس حكومتها بشكل رسمي وفعلي عبر اتصال هاتفي من قبل رئيس جهاز المخابرات المصرية، وزيارة رسمية من قبل نائبه إلى العاصمة طرابلس والاجتماع مع الدبيبة، وإن كان كل هذا التواصل في ظاهره يحمل شعار تقديم التعزية والمواساة فيمن فقدتهم البلاد ولكن في باطنه يحمل أكثر من ذلك بكثير.
الأمر الذي يطرح الكثير من التساؤلات ويضع عديد علامات الاستفهام لأن ما حدث لا يتوقف عند مجرد تقديم تعاز، بل أكبر من ذلك؛ لأنه لو كان التواصل تم من قبل رئيس الحكومة المصرية أو أحد وزراءها لكن أمرا عاديا وبرتوكولا طبيعيا بين الدول وسلطاتها المدنية في مثل هذه الظروف والحوادث.. لكن عندما تتصدر المشهد المخابرات المصرية وفي شخص رئيسها يكون الأمر غير وأبعد من مجرد تعاز ومواساة..
لأنه في مصر يعتبر جهاز المخابرات أهم من كل الحكومة ورئيسها ووزرائها.. فرئيس المخابرات المصرية يمكن القول أنه الرجل الثاني في البلاد بعد رئيس الدولة، وعند الأحداث الهامة خاصة في التعامل الخارجي وفي الظروف الاستثنائية والغير طبيعية وعلى رأسها فتح باب التواصل مع الدول الأخرى لإعادة علاقات أو تقييم مواقف خارجية أو دعم عمل ما يكون رئيس المخابرات هو اساس كل ذلك والامر ليس بجديد فهو يحدث منذ حكم عبد الناصر ويستمر حتى اليوم .. حتى ان رؤساء المخابرات في مصر أشهر من رؤساء حكومتها، بداية من “زكريا محي الدين” إلى “صلاح نصر” في عهد عبد الناصر، وصولا إلى “عمر سليمان” أطولهم بقاء وربما أكثرهم شهرة خاصة في مرحلة مبارك، لنصل اليوم إلى “حسن رشاد”، لهذا أعتقد أن مصر أصبحت تشعر بخطورة ما يحيط بها من تطورات إقليمية وحتى دولية، وما تعيشه المنطقة من أزمات وصراعات لا حد لها قد شعرت أنها تهدد أمنها القومي، وما يقوم به الصهاينة من أفعال في كل المنطقة والإقليم من عدوان على عدة دول عربية، والعمل على تقسيم بعضها.. بل وصل الأمر إلى الاعتراف بما يسمى “صوماليلاند” الدويلة الجديدة الخارجة من رحم دولة الصومال، وما يمكن أن يتكرر في دول أخرى في المحيط الإقليمي لمصر.. إضافة إلى تحديد العدو لحدوده الجيوسياسية الواسعة مؤخرا بتوسع يتجاوز الحدود المصرية من كل الأطراف، دون أن ننسى خلافاتها مع أثيوبيا وما تعيشه اليمن ومحاولة تقسيمها هي الأخرى، أما ما تعيشه السودان من حرب وانقسام فحدث ولا حرج، خاصة أن حليفها الأول والأهم في ليبيا يدعم الطرف المعاكس لمن تدعمه القاهرة وغيرها الكثير من الأحداث التي تعصف بالمنطقة.
دون نسيان الأزمة والمعاناة الاقتصادية التي تعيشها وتعانيها مصر منذ سنوات وترتفع حدتها كل يوم.. أمور وأحداث ليس سهلا القبول بها أو الصمت عنها مصريا، لهذا ربما فرض عليه الواقع والمصلحة المتعددة الأوجه العمل على فتح قنوات التواصل مع كل الدول المحيطة، لتكون عمقا استراتيجيا لها، خاصة حدودها الغربية في ليبيا، ولا تريد أن تبقى حبيسة علاقات مع طرف واحد قد تتغير وجوهه وشخوصه في أي لحظة تحت أي ظرف كان.. ويبدو أنها أصبحت تعرف أن حكومة الدبيبة مازال أمامها الطريق طويلا للبقاء في السلطة حتى الآن على الأقل، لهذا تريد التواصل معها لإعادة ما كان منقطعا لمواجهة أي تطورات أو متغيرات إقليمية قادمة وعربيا أو حتى داخل ليبيا نفسها، لهذا أتوقع تواصلا مباشرا أكبر بين مصر وسلطات طرابلس ستغير الكثير من المعطيات والنتائج في قادم الأيام.. ننتظر..!!



