الرئيسيةفي الذاكرة

الزاوية الأسمرية/ ح 6

* كتب/ وليد عمران محمد،

تعتبر زليتن من بين المدن المتشبعة بالدين، والتي تحاول جاهدة في ترسيخه جيداً في عقول وقلوب النشء، للحفاظ على الموروث الإسلامي، وزرع مبادئ وقيم الدين داخل المجتمع.
ولقد ظل مسجد الشيخ الأسمر مصدر هداية وتوعية وترشيد منذ تأسيسه على يد الشيخ، كان هذا الجامع من الجوامع الأربعة على مستوى زليتن التي تقام فيها صلاة الجمعة، ومازال هذا الجامع على الدرب المنير يسير، وجنبا إلى جنب مع هذا المسجد كانت الزاوية التي اتسعت لمن أراد أن يذكر أو أراد خشوعا، من يتلون كتاب الله آناء الليل وأطراف النهار، كان السلف يرعاهم ومازال الخلف على العهد باقياً.

الزاوية يأتيها زوار من مختلف المناطق الليبية، وعلى مدار العام لزيارة مقام الشيخ الأسمر، منهم من يأتي قاصدا التبرك والتماس الخير، والبعض طالبا للاستشفاء يأتون بقناعة روحية، يرى أصحابها أن زيارتهم له كفيلة بمساعدتهم على تحقيق ما يصبون إليه، كما هي كفيلة بإعانة المكروب منهم على تجاوز محنته، وهم يستذكرون أن الله هو القادر، لكن دون أن يروا في وساطة الزيارة مشكلة.
سلسلة أعلام هفت إليها القلوب، وتعلقت بها نفوس الأحبة والمريدين، قوما يذكرون ربهم في الغداة والعشي يريدون وجهه، علما سارت بخبره الركبان، ووصل صيته إلى كل مكان، وتحدث عنه الشعراء والمبدعون أحسن حديث، عشرات الزائرين يحلون بالزاوية يوميا، في محاولة لأخذ لحظات صفاء روحي، في لوحة بديعة رسمتها أجيال أبناء المناطق الليبية.

مقام الشيخ الأسمر كان من أبرز المعالم فأصبح مجرد أحجار مبعثرة متناثرة، وجزءا أخيرا ظل شاهداً على حكاية الحرب وعبثياتها، التي طالت مسجد ومقام الشيخ الأسمر، ولم تكن رمزاً وثنياً حتى يصيبها هذا الخراب، بل منارة للعلم ومزاراً دينياً يقبل عليها كثير من الموردين من مختلف المناطق لغرض العلم، لكنها الحرب ما إن تنزل بلادا إلا وتُحيل بعضا من شواهدها أثراً بعد عين، أي كارثة حلت بهذا المعلم البارز ومزقته بعد أن كان يمثل أحد الروابط الدينية والروحية لأبناء ليبيا لمدة تجاوزت ألف عام.

ربما لم يدر في خلد الشيخ عبد السلام الأسمر رحمه الله عند قدومه إلى زليتن أن ذلك المشعل الحضاري الذي حمله إلى هذه الأرض سيضيئ ربوع المنطقة، وستصبح زليتن لقرون منارة للعلم تأوي إليها الأفئدة، وتسير الركبان إليها طلباً للعلم، وتنطلق منها لنشر الدين الإسلامي، وبث المعارف والعلوم في أرجاء المعمورة، وهكذا كانت خصوصية مدينة زليتن حاضرة في تجربته العلمية الفريدة، كانت المدرسة الأسمرية رافداً من روافد الثقافة الليبية، بحكم أصالتها الضاربة في القدم، وسبقها الزمني لكثير من المدارس الأخرى، إضافة لما حوته المكتبة الأسمرية في وقت مبكر من مراجع علمية متنوعة وتراث معرفي ضخم، لم يتوفر لغيرها، لكونها نقطة وصل بين غرب البلاد بشرقها.

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى