الزاوية الأسمرية ح/ 5

* كتب/ وليد عمران محمد،
وقد شهدت الزاوية الأسمرية تطوراً كبيراً خلال العقود الأخيرة، وهي اليوم تتألف من جزأين، أحدهما في رحاب المسجد الذي يمثل القلب النابض للزاوية والذي كان يتحلق فيه أهل المدينة في كل مساء لمدارسة أمور دينهم ومراجعة النصوص الفقهية. الحلقة العلمية فرصة للسؤال عن الاحكام الشرعية.

والثاني يتمثل في جامعة نموذجية، فقد باتت الزاوية جامعة شأنها في ذلك شأن الجامعات الليبية الأخرى التي نمت وازدهرت وبقي عطاؤها بفضل الله وفضل شيخها ديدناً ثابتاً ونهجا راسخاً،
والتعليم الجامعي يعد امتدادا للتعليم الأصلي في مقاربة تبادل التأثير والتأثر في فضاء عام، يصبح فيه الشارع صورة للصراط المستقيم الذي يمضي فيه الإنسان على علم وهدي وبصيرة، تؤسس مجتمعا جديداً مدنياً يتجاوز الإطار القبلي الضيق،
دور كبير لعبه ويلعبه هذا الصرح التعليمي لتعليم كتاب الله حفظا وتجويدا ورسما، إضافة إلى تلقي روادها منابع الدين الحنيف، الذي يبحث عن الوسطية والاعتدال، بعيداً عن الغلو، وشكلت الزاوية إطاراً لحفظ الأمن الروحي، وترسيخ مبدأ التعايش الاجتماعي والأخلاقي، بعد أن طاف الشيخ الأسمر مشارق الأرض ومغاربها بحثا عن العلم والعلماء، وصحب كبار المشائخ والأئمة. استقر به الحال في مدينة زليتن وأسس زاوية ظلت لقرون تؤتي أكلها كل حين بأذن ربها، وردها طلاب العلم من كل حد وصوب، وتخرج منها عشرات القراء والأئمة من شتى فئات المجتمع، وجهات صحب الشيخ همته الفولاذية وظل حاملا لواء التعليم، ويحل عويصات المسائل، واهبا نفسه وماله لخدمة كتاب الله، فكانت الزاوية صرحا من صروح الإسلام المعتدل القائم على الفقه المالكي.
وكانت نبراساً مضيئا ملأ المنطقة تجويدا وتحفيظا لكتاب الله، بفضل الطلاب الذين نهلوا من معينها الذي لا ينضب، فكانت الزاوية منارة للعلوم الشرعية ونافذة تذكر الناسين بأيام الله عز وجل، بنيت المرحلة الأولى من الزاوية بهندسة معمارية بسيطة متميزة، وبقلوب حافظة لكتاب الله، وعقول متدبرة كانت تستقبل زاوية سيدي عبد السلام الأسمر قاصديها.
لقد كانت زليتن في ذلك الوقت قرية صغيرة، لكن صيتها تجاوز حدود المنطقة، باعتبارها منارة ظلت تشع أنوارها إلى مختلف المناطق، فأصبحت نورا على علم، تحمل من التاريخ عبقا ومن الجغرافيا ألقا، وقد تنزلت على هذه المنطقة بركات الورع والعلم، فازدهر فيها كل شيء، وشكلت شعاعاً علمياً لا مثيل له في العالم، وحصناً منيعاً للقيم والأخلاق والروعة والجمال، هي إذن زليتن نموذج البساطة والعمق في الوقت ذاته، ومناخ عقلي وروحي، وحسن الفهم وحسن التقدير،
من تحدثوا لي حرصوا على أن يؤكدوا على أن زاوية الشيخ سيدي عبدالسلام الأسمر اندماجا ً وتطلعاً وثقافة تضيئ أقطار البصيرة العارفة، فتهدي العقل وتقود السلوك على أساس من التناصح والرشد، وحسن الفهم لمقتضيات العصر وضرورياته وآلياته، حلت فيها السهولة واليسر مكان الصعوبة والعسر، وتبقى الزاوية الحاضن العلمي، والوفية للبلاد، الحصن المنيع الذي يُخرج حفاظ القرآن الكريم الذين هم أهل الله وخاصته، كما تُخرج العلماء والفقهاء الذين مثلوا البلاد أحسن تمثيل في المحافل الوطنية والدولية.
مدينة زليتن الوادعة في تلك الناحية من ليبيا تأخذ مكانتها باعتبارها ذات كثافة سكانية، وبعدها الثقافي وواقعها الجغرافي، لكن زليتن من ناحية أخرى عنوان على محطة تاريخية هامة للطريقة العروسية، لقد استقر الشيخ في هذه المنطقة الوادعة التي كانت تعرف بعد أن طاف ببلدان أخرى، فاتخذ هذه الأرض مقرا له ولمن يتوافد عليه من مريديه، ولقد تمكن القطب الصالح الشيخ سيدي عبد السلام الأسمر من استقطاب الناس إلى هذه المنطقة، وهو عالم جليل حيث يفيد الناس له من كل حدب وصوب.
لقد مثلت مكتبة الشيخ الأسمر والتي طالها الحرق والتخريب تراثاً علميا وصوفيا، ظهرت فيها قدرات الشيخ وسعة أفقه وتنوع معارفه، ولم يكن الشعر جزءا بسيطا في هذه المكتبة التي أخذت من كل فن، وساهمت في كل مكان، ورغم أن هذا الإبداع الشعري قد كشف جانبا آخر من جوانب هذه الشخصية الفذة فإنه كان فكراً منسابا، يعيد للتصوف صفاءه.
المكتبة لم يتبق منها سوى عشرات المخطوطات التي تعود بعض منها إلي مئات السنين، ولقد وقفت على جزء من هذا العطاء وأنا أطالع بعض النصوص الشعرية من دواوين قصائده.



