الرئيسيةالرايثقافة

الذاكرة التي بقيت في القاعة

* كتب/ محمد مصلي،

حين ننظر إلى صور إحدى دور العرض في مصراتة، القاعة الواسعة التي فقدت مقاعدها، وغرفة العرض التي تراكم عليها الغبار، وشريط الفيلم الملقى على الأرض، لا تبدو هذه مجرد بقايا مبنى مهجور، إنها بقايا زمن كانت فيه السينما حدثًا اجتماعيًا.

هذا المشهد يعيد إلى الذاكرة فيلم “سينما باراديسو” للمخرج الإيطالي جوزيبي تورناتور، وهو فيلم لا يتحدث عن السينما فقط، يتحدث عن اختفائها من حياة المدن.

في “سينما باراديسو”، تدور الحكاية حول طفل يكبر في قرية إيطالية، ويقضي معظم وقته داخل دار العرض مع عامل الغرفة التي من خلالها تعمل آلة العرض، وسط ضجيج آلة العرض ورائحة الفيلم المحترق أحيانًا، يتعلم الطفل أن السينما ليست مجرد شاشة، إنما مكان يجتمع فيه الناس ليشاهدوا أنفسهم.

القاعة في الفيلم ليست مبنى، هي قلب القرية، الأطفال، العمال، الجميع يجلسون في الظلام نفسه، يضحكون في اللحظة نفسها، ويغادرون حاملين الذكرى ذاتها، لكن مع مرور الزمن، تغلق القاعة، وتتحول السينما إلى ذكرى.

ما نراه في صور دار العرض في مصراتة يشبه كثيرًا المشهد الذي يتركه الفيلم في نهايته؛ قاعة صامتة، غرفة عرض فارغة، وأشرطة فيلم لم تعد تدور.

في ليبيا، أغلقت معظم دور السينما منذ عقود، بعضها تحوّل إلى مخازن، وبعضها إلى أطلال، وبعضها اختفى بالكامل من ذاكرة المدينة.

المفارقة أن غياب السينما لم يكن بسبب اختفاء القصص، فالقصص موجودة في كل مكان، لكن المكان الذي كان يجمع الناس هو من اختفى.

الصورة التي يظهر فيها شريط الفيلم على الأرض تقول الكثير، الفيلم مادة حساسة للضوء؛ بمجرد أن يتعرض له خارج آلة العرض، يبدأ بالتلف، وكأن الصورة تقول إن الذاكرة نفسها تحتاج إلى مكان يحميها.

غرفة العرض في أي سينما قديمة كانت أشبه بقلب المبنى، منها تنطلق الصورة إلى الشاشة، ومنها يبدأ سحر الظلام، حين تتوقف آلة العرض، لا يتوقف الفيلم فقط، معه تتوقف التجربة الجماعية للمشاهدة.

ليبيا ليست بلدًا لم تكن بها سينما، على العكس، كانت دور العرض جزءًا من الحياة المدنية في مدن كثيرة، لكن مع مرور السنوات، اختفت هذه الفضاءات تدريجيًا، وبقيت الأجيال الجديدة تعرف السينما من الشاشات الصغيرة فقط.

ما تقوله هذه الصور ليس مجرد حنين بل سؤال ثقافي:

هل يمكن لمدينة أن تستعيد علاقتها بالصورة بعد أن فقدت المكان الذي كانت تُشاهد فيه؟

ما الذي يذكّرنا به “سينما باراديسو”؟

الفيلم يقول شيئًا بسيطًا لكنه عميق؛ السينما ليست الشاشة فقط، السينما مكان يجتمع فيه الناس لمشاركتها، حين تختفي القاعات، تبقى الأفلام موجودة، لكن التجربة تتغير، الضحكة التي تنتشر في القاعة، التصفيق في النهاية، كلها أشياء لا تعوضها المشاهدة الفردية.

دار العرض المهجورة في مصراتة ليست مجرد مبنى قديم، إنها صفحة من تاريخ المدينة الثقافي، وشريط الفيلم الذي يرقد في الغبار يشبه رسالة غير مكتملة، رسالة تقول: إن السينما كانت هنا يومًا.

ربما السؤال الذي تتركه هذه الصور لا يروي الماضي فقط، بل والمستقبل؟

هل تبقى هذه القاعات مجرد ذاكرة؟ أم يمكن أن تعود يومًا لتضيء الشاشة من جديد؟

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

** ملاحظة مهمة:

هذه الدار ملك خاص وليست حكومية، لا يمكننا أن نصدر أحكامًا على ملاكها، ولا يمكننا أن نلوم أحدا منهم، لا نعلم ما الظروف التي أدّت لحال الدار ولا ما ستؤول إليه، هذا ملك خاص بهم، ولهم الحرية فيما يرونه مناسبا.

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى