

* كتب/ مصطفى القعود،
يحاول “ياماش” أن ينقذ زوجته “سينا” المحشورة في صندوق زجاجي مغمور بالمياه.. وهنت عضلاته وعجز ولم يستطع إنقاذها فماتت، ذلك المشهد القاسي والحزين من مسلسل الحفرة في جزئه الثاني استغرق تصويره حوالي تسع ساعات، ولكنه ظل عالقاً في أذهان عشاق الدراما التركية بفضل واقعيته وصدقه وأسطورية الأداء، وخاصة من النجم التركي الكبير اراس بولوت.
لم يكن مسلسل الحفرة هو أول ما شاهدت من المسلسلات التركية وإن كان أجملها، تعددت نوعية المسلسلات بين التاريخية والتراجيديا والأكشن (الحركة) والبوليسية ومسلسلات اعتمدت على إظهار قوة المخابرات التركية وسطوتها، مثل أرطغرل وعثمان والأرض الطيبة والمنظمة وزهرة القصر والراية وقطاع الطرق لا يحكمون العالم، وفي الداخل والحسد والغدار، وحلم أشرف وغيرها الكثير.
ما لفت انتباهي في كل ما شاهدت أن القصة والسيناريو إما محاولة لبعث رسائل وإذكاء الروح القومية عند الأتراك، وإظهارهم بأنهم شجعان وباستطاعتهم توفير الحماية للفرد والبلد (وهذا من حقهم)، أو معالجة ظواهر فرضت نفسها في المجتمع التركي مثل موضوع الإنجاب قبل الزواج وغيرها التي تراوحت بين الإيجابية والسلبية، وكذلك التسويق للسياحة من خلال الاختيار لأماكن التصوير التي تحتوي على المناظر الطبيعية الخلابة.
أما من حيث أداء الممثلين والممثلات فحدث ولا حرج (أو اسكت ساكت بالليبي)، فكل شيء تقريباً بالميزان والمسطرة كما يقولون.. تجد الممثل متقمصاً لدوره.. يبكي إذا احتاج الأمر ويضحك إذا تطلّب الموقف ذلك، وكل بمقدار دون مبالغة أو تهريج أو صراخ، والجميل فيما شاهدت أن الممثل (تلقاه رايق) غير متشنج، وللصمت مساحات عنده، ولهذا يؤدي بأريحية تامة وبإقناع وبشكل مقنع مدهش وصادق، لاتشعر بأن الممثل يقرأ من ورقة، ولا يشعرك بأنه (يسمّع) في نص حفظه وينتظر أن يتخلص من عبئه ويذهب لبيته ليحمد الله أنه أدى ما عليه.
أما الإخراج فهو شيء مبهر، سواء من حيث اختيار زوايا التصوير أو اختيار الأماكن المفترض أن تقع فيها أحداث المسلسل، أو في طريقة إدارة الممثلين والممثلات، لدرجة قد تصل إلى حيرتك عند الطلب منك أن تختار أفضل من أدى دوره.
والملاحظ في الدراما التركية أنها أصبحت صناعة استراتيجية تجلب دخلاً للبلاد من خلال الضرائب التي تفرض عليها أو عبر تسويقها للقنوات الخارجية، أيضاً أشير إلى أن نظام (الريتينغ) والمقصود به تحديد نسب ومعدل المشاهدات للعمل المعروض يتحكم بشكل كبير في استمراره من عدمه، بل إن السيناريو قد يعدّل وفقاً لآراء المشاهدين، وقد يتبادل على كتابة السيناريو أكثر من سيناريست، ويتم تغيير المخرج إذا دعت الضرورة، لأن العمل صار ملكاً للشركة المنتجة التي يهمها الربح وإقبال المتلقي عليه، والغريب أن زمن حلقة المسلسل لا يقل عادةً عن ساعتين لكن تعرض الحلقة ليوم واحد في الأسبوع يتم اختياره وفقاً لمعايير دقيقة، منها أفضل وقت واليوم المفضل للمشاهدة ومحاولة أن لا يكون هناك أي مسلسل متوقع أن ينافسه في قناة أخرى..
بالنسبة لي وبعد مشاهداتي للمسلسلات التركية وصلت لقناعة أن من يدمن على مشاهدتها سيكون صعباً عليه مشاهدة مسلسلاتنا العربية إلا ماقل وندر.



