
مطلع شهر مارس المنصرم أكد بيان صادر عن المركز الليبي لأبحاث الصحراء وتنمية المجتمعات الصحراوية أن جنوب ليبيا يواجه انتشارًا كبيرًا للجراد الصحراوي، مشكلا تهديدا للمحاصيل الزراعية والمراعي.
وبحسب منظمة “الفاو” فإن ليبيا ينتشر بها الجراد الصحراوي الذي يعيش مدة 3 أشهر، ويفقس بيضه بعد أسبوعين ويبلغ بعد 6 أسابيع، وبعد شهر واحد على الأقل يكون جاهزًا لوضع البيض، حيث يسمى النوع الذي ينتشر في شمال غرب أفريقيا باسم الجراد المغربي، ويمكن أن يحتوي الكيلو متر المربع الواحد إلى ما يصل إلى 80 مليونًا من الجراد البالغ، الذي يستهلك كمية طعام في يوم واحد تعادل ما يستهلكه 35 ألف شخص.
أحد الظرفاء علّق على الخبر قائلا: لماذا لا نأكله قبل أن يأكلنا؟ يجب أن نعود لأكل الجراد ونتعشى به قبل أن يتغذى بنا.
* كتب/ عبدالوهاب الحداد،
أعاد الخبر إلى ذاكرتي عادة أكل الليبيين للجراد، وما كنت قرأته في كتاب “عشر سنوات في طرابلس” للآنسة الانجليزية “توللي”، حيث تصف في رسالتها المؤرخة في يناير 1786م مشهد الجراد في طرابلس وهو قادم من صحارى مصر تقول: ” يطير الجراد في مجاميع كبيرة هائلة متماسكة في الهواء، يشبه الغمامة المظلمة السوداء في كبد السماء، فتغطي حين طيرانها مساحة أميال عديدة. وعندما يزحف الجراد على الذرة والشعير يثير ضجة وصخبًا حيث لا يبقي ولا يذر شيئًا، فتسمع ضجته بكل وضوح من مسافة بعيدة، وما أن ينهي الجراد الزاحف هجومه على المنطقة حتى تختفي الخضرة فيها، وتتحول إلى أرض يباب جرداء عارية كما لو أنها كنست ومسحت بسحر ساحر”.
وعن عادة أكل الجراد ذكرت توللي أن الجراد “يملّح بكميات كبيرة في القاهرة والإسكندرية ويحمل إلى أجزاء مختلفة من أفريقيا، ويجلب الكثير منه إلى هذه البلاد [ليبيا] ويؤكل من قبل السكان”.
إن الفترة التي كتبت فيها “توللي” نصها أعلاه عن أكل الليبيين الجراد، كانت فترة قاسية على الليبيين، حيث انتشر الطاعون، وعمت الصراعات والحروب الأهلية، وحلت مجاعة بالبلاد بين عامي (1783 – 1786م)، وهو ما جعل البعض يعتقد أن أكل الجراد كان بسبب الجوع فقط، إلا أن الجوع قد يكون أحد أسبابها فقط، لأن عادة أكل الجراد قديمة لدى الليبيين، فهذا المؤرخ الإغريقي “هيرودوت” في القرن الخامس قبل الميلاد يقول: إن قبائل النسامونيس الليبية كانت كثيرة العدد، وخلال الصيف يترك هؤلاء قطعانهم بجانب البحر ويذهبون إلى منطقة آوغيلة [أوجلة] ليجمعوا التمور، حيث تنمو أشجار النخيل هناك في كل مكان بكثرة، وجميعها تكون مثمرة، كما كانوا يصطادون الجراد ويجففونه في الشمس ويطحنونه ثم يضعون المسحوق في الحليب ويشربونه”.
وكما يتضح من نص هيرودوت فإن أكل الجراد لم يكن بسبب الجوع والقحط، فالتمور متوفرة وكثيرة في أوجلة، إلا أنهم يصطادون الجراد، كما يبدو أنهم يتفننون في إعداده، ولهم طرقهم الخاصة في أكله.
**
في التاريخ العربي هناك مقالة علمية هامة للدكتور “محمد مأمون” نشرت بمجلة الرسالة منتصف أربعينيات القرن الماضي بعنوان “علم العرب الأقدمين بالجراد” يقول فيها إن العرب كانوا يصطادون الجراد ويكتسبون لعيالهم منه كما قال المُبرًّد:
إذا أكل الجراد حروث قوم ** حرثي همه أكل الجراد
وقد كان العرب يقشرونه وينزعون رؤوسه وقوائمه ويسمونه الجُلف، ويجففونه ويسحقونه ويضيفونه إلى الدقيق لصنع الخبز، ويطبخونه في المرجل ويسمونه الهميشة، ويشونه على النار، كما كانوا يأكلون بيض الجراد.
**
وإن كان الليبيون قد تركوا أكل الجراد، فإن هذه العادة لازالت موجودة ببعض الدول العربية، خاصة الخليجية، حيث أظهرت فيديوهات على مواقع التواصل الاجتماعي قبل سنتين أسواقًا لبيع الجراد وهي حية داخل أكياس شفافة حمراء، يصل سعر الكيس إلى نحو 80 دولارا. وهو ما دفع وزارة المياه والزراعة السعودية للتحذير من تناول الجراد؛ خشية التسمم بالمبيدات المستخدمة ضده.
**
بالعودة إلى خبر انتشار الجراد بالجنوب الليبي، والشكوى من عدم وجود إمكانيات لمكافحته، وعدم التفات الحكومات الليبية إلى مناشدات اللجنة الوطنية لمكافحة الجراد، لا بأس من نقل هذا النص من كتاب قديم باسم “الدر الملتقط في علم فلاحتي الروم والنبط” يعود للقرن السادس الهجري يتحدث عن طرق مكافحة الجراد وطرده بالطرق التقليدية، يقول صاحبه: “أما الجراد والجندب فيدخن مع جري الهواء بقصب القنة والقنب والكبريت وعظام الهداهد والسلاحف والتبن، ويرش على الشجر ماء قثاء الحمار والترمس والملح بعد طبخه. أو يطبخ قشر الطلع بالماء حتى يخرج قوته ويرش الشجر والزرع به. ثم قال وتدق الحبة السوداء ويريب ببول الجمال على نار هادئة كذلك سبعة أيام، ثم يرش ماؤه على الزرع والشجر فإنه يهلك الجراد. ثم قال: وإن كان الجراد فرخًا فلتحفر له الأخاديد ثم يساق إليها ويحرق فيها، أو إلى حفائر عميقة أو أبيار معطلة أو تنصب قدور كبار فيها ماء حار يلقي فيها أولاً بأول ليلًا ونهارًا”.
فهل يمكن ذلك؟