
* كتب/ مفيد أبومديس،
في كثير من الإدارات العامة لم يعد المنصب مجرد تكليف لخدمة الدولة والمجتمع، بل تحول في بعض الحالات إلى بوابة واسعة للثراء الوظيفي.
ظاهرة تتسلل بهدوء تحت عباءة اللوائح والقوانين، وتجد لنفسها مبررات جاهزة حتى تبدو وكأنها حق مكتسب لا امتياز يثير الشك.
يبدأ المشهد عادة بعبارة محفوظة يرددها المسؤول بثقة: كل شيء يتم وفق اللوائح والقوانين. عبارة صحيحة في ظاهرها، لكنها كثيرا ما تستعمل ستارا أنيقا يخفي وراءه شبكة من المزايا. سيارات لجان، بدلات سفر، مكافآت اجتماعات، وفرق عمل لا تنتهي. تتكاثر اللجان أحيانا حتى يبدو أن المؤسسة تعمل بالاجتماعات أكثر مما تعمل بالإنجاز.
ومع مرور الوقت تتشكل لدى بعض المسؤولين قناعة راسخة بأنهم على صواب دائما. فالقرارات تبرر بالقانون، والمكافآت تشرعن باللوائح، والامتيازات تفسر بأنها من متطلبات العمل. وهكذا يتحول المنصب من مسؤولية ثقيلة إلى مساحة مريحة للامتيازات المتراكمة.
غير أن الأرقام لا تجيد المجاملة. فبينما قد تبدو التفاصيل اليومية عادية أو مبررة، يأتي كشف الحساب السنوي إذا وضع تحت المجهر ليحكي قصة مختلفة. أرقام المكافآت، وبدلات السفر، ومصاريف اللجان، تكشف أحيانا فجوة واضحة بين مفهوم الخدمة العامة وواقع الاستفادة الشخصية من المنصب.
إن الثراء الوظيفي لا يولد فجأة، بل ينمو في بيئة تتسامح مع تضخم الامتيازات وتغض الطرف عن المساءلة. لذلك فإن العلاج لا يكمن فقط في سن القوانين، بل في الشفافية والرقابة الحقيقية، وفي إعادة ترسيخ فكرة بسيطة لكنها جوهرية: المنصب العام أمانة لا مشروع استثمار.
يذكرنا ديننا الحنيف بأن المال العام أمانة ثقيلة، وأن المسؤول مهما أحاط نفسه باللوائح والتبريرات سيقف يوما أمام ميزان أدق من كل القوانين. قال النبي صلى اللـه عليه وسلم: كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته. قد ينجو المسؤول من مساءلة البشر زمنا، لكن ميزان العدالة الإلهية لا يغفل، وحساب الآخرة لا تقبل فيه بدلات اللجان ولا مذكرات التبرير.



