الرئيسيةالراي

التحليل السياسي.. بين الموضوعية والآراء والمواقف الشخصية..!!

* كتب/ خالد الجربوعي،

يتصدر منذ سنوات وبعد متغيرات ما سمي بالربيع العربي عربيا، ومتغيرات فبراير محليا عدد من الشخوص الشاشات ويتنقلون بين واحدة وأخرى داخل ليبيا وخارجها محليا وعربيا، وحتى دوليا، دون كلل أو ملل طيلة الوقت، وكل يسمي نفسه محللا سياسيا، دون أن نعرف أين تعلم السياسة وتحليلها، وماذا كان دوره ومتابعته للأحداث السياسية داخل البلاد وخارجها، قبل المتغيرات المذكورة.. المهم أن لا يبتعد عن الشاشة، ويرغي ويزبد في أي برنامج، وينتهى الأمر دون أهمية أو قيمة لما قاله، ومدى علاقاته بالواقع أو التحليل فعلا.

أصبح بعضهم مستعدا لتقديم كل التنازلات، وتنفيذ كل الرغبات للجهة المضيفة من أجل أن لا يغيب عن شاشتها يوما، ويكون أحد متصدريها دوما دون أي أهمية لموضوع الحلقة، ومدى فهمه له، وما يملكه من معلومات حوله، فهو آخر همه وشاغله، وأصبح عدد محدد من هؤلاء الشخوص هم من يكتسحون الساحة دون شريك، خاصة في ظل غياب المتخصصين في كثير من القضايا، حتى أن إحدى القنوات الدولية عندما وجهت لها سؤال يوما عن أسباب استضافة وتكرار شخوص معينة في جل برامجها أجابت إحدى مقدمات تلك البرامج أنهم يقومون بالاتصال بالعديد من الشخصيات والتي قد يكون لها أكثر علاقة بالموضوع لكنهم يرفضون الخروج، والحديث، لهذا لا نجد إلا التوجه لهذه الأسماء المكررة، وهي دائما مستعدة للقيام بهذا الدور دون أي تردد وفي كل الأوقات والمواضيع. “يعني كما أسمي الكثير منهم “شكورطة” جاهزة للقيادة بالدور بدلا من الآخرين طيلة الوقت”.

فهؤلاء لا يهمهم ما سيقولونه، ولا يعنيهم إن كان كلامهم قريبا من الواقع والحقيقة أم لا، فكل همهم تصدر المشهد والإعلان عن وجودهم، وتحويل التحليل إلى تطبيل وتقديس لبعض الأشخاص أو الجماعات، أو حتى الدول التي يطلبون رضاها أو الحصول على بعض المنافع منها قبل كل شيء، والباقي خارج كل تفكيرهم وما تقوله ألسنتهم عبر كل هذه البرامج، ظنا منهم أن هذا هو التحليل وهذا ما هو مطلوب منهم لا غير.

فلكي تقوم بتحليل أحداث دولة ما وما يحدث داخلها، يجب عليك أن تعرف نوعية شعبها الذي تريد تحليل أفعاله ومواقفه، مواطنين وحكاما، وثقافته وكيف يتعامل مع الأحداث، وتاريخه وغيرها من أمور أخرى يجب أن تتمكن منها، لا أن تخرج لتحلل وضعا معينا لمجرد حدوثه، وتظن أنك تقدم الجديد والمفيد.. دون ننسى أبعاد موقفك الشخصي عند التحليل.

لكن ما يحدث عبر الشاشات الليبية ومنذ سنوات من كل أو جل من يتصدرون الشاشات بكل مواقفهم وأسمائهم، ويكررون أنفسهم، كل ما يسمونه تحليلا ينبع من مواقفهم الخاصة، وحسب رغبتهم ودعمهم للأحداث، وشخوصها وأماكنها، لا حسب الواقع وما يمكن أن يحدث فعلا، حتى لو كان مخالفا لأهوائهم وأمانيهم .. لهذا تجد أن ما يقدمونه أو يضيفونه وكل تحليلاتهم وتوقعاتهم لا مكان لها في المشهد العام والواقع المعاش.

ولعل ما كان في تحليل الأحداث الأخيرة التي شهدتها العاصمة طرابلس في آخر ثلاثة أو أربعة اشهر، وارتفاع أصوات الكثير من هؤلاء بنهاية الدبيبة وحكومته، وأن المظاهرات التي خرجت للمطالبة برحيله لن تتوقف حتى تسقطه وتسقط حكومته، وأن قرار إبعاده وتغير الحكومة قد صدر دوليا وخارجيا، وأصبح الأمر مجرد وقت محدود لا غير، خير دليل على فشلهم وعدم معرفتهم بنوعية الشعب الذي يحللون مواقفه والحكومة التي يدعون أنها انتهت، ليذهب كل كلامهم إلى الهواء، ويتأكد أنه مجرد هراء يتمنون حدوثه حسب رغباتهم ومواقفهم، لا حسب ما يمكن أن يحدث فعلا.

فهم لا يحللون واقعة، بل يقدمون أمانيهم ومطالبهم تحت غطاء التحليل و”التخليل”. وهذا مجرد مثال لا أكثر على الكثير من أقوال جل من يتصدرون الشاشات بصفة محللين من كل الأطراف وفي كل الأماكن وعبر كل الشاشات.

إن التحليل السياسي لا يعني أن تقدم مواقفك وآراءك وتغلفها باسم التحليل، وتقدمها للآخرين على أنها هي ما سيحصل وما يجب أن يكون.. التحليل السياسي الحقيقي والمفيد هو أن تتجرد من كل مواقفك الخاصة، وتحاول تقديم الحدث والمشهد حسب المعطيات والأحداث، ونوعية أصحابه، وما يمكن أن يفعله كل طرف حسب ما توفر لك من معلومات عن ذلك، بكل موضوعية وحيادية، حتى لو كانت النتائج المتوقعة تخالف كل أمانيك ومطالبك.. وهو أمر لا يعني أنك قد لا تخطي، فالخطأ وارد دائما، لكنه يكون نتيجة متغيرات ووقائع خارج الأحداث، ولا مسؤولية لك عليها، وإلا أصبح مجرد هرطقة يقدم من خلالها متصدرو الشاشات آراءهم الشخصية، ويريدون لها أن تكون هي الواقع والحقيقة، حتى لو كانت آخر ما يمكن أن يحدث، وهذا فعل جل من يتصدرون الشاشات الليبية وحتى العربية باسم التحليل وهو منهم براء.. “براءة الذئب من دم يوسف”.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى