الرئيسيةالراي

إلى متى تبقى طرابلس رهينة مساومات جهوية..؟!

* كتب/ خالد الجربوعي،

 في سنة 1951 عندما أعلن استقلال ليبيا فرض على العاصمة طرابلس وشخوصها بضرورة القبول بالنظام الملكي وإعلان أمير برقة حينها “ادريس السنوسي” ملكا على البلاد كاملة وفي حالة الرفض تم التهديد والمساومة بتقسيم البلاد وإعلان دولة برقة بشكل رسمي بعد أن كان قد أعلن عن إمارة برقة وأميرها قبل ذلك بسنوات..

وعندما لم يجد أهالي طرابلس مفرا من القبول بهذا المساومات رضخوا للأمر من أجل وحدة ليبيا وعدم تقسيمها وعقب ذلك قام الملك بنفي شخوص وقادة طرابلس خارج البلاد خشية من معارضتهم بعد أن تام تزوير أول انتخابات لمنع أهم شخصية طرابلسية حينها من الوصول إلى رئاسة الحكومة “بشير السعداوي” وهكذا أعلنت ليبيا دولة ملكية وأصبح أمير برقة ملكا على كل البلاد تحت هذه المساومة فرضا لا رغبة من الكثير من أهالي إقليم طرابلس الذين فضلوا وحدة البلاد على رغبتهم في إقامة نظام حكم جمهوري.

ثم في 1969 أعلن عن ما سمي ثورة من وسط مدينة بنغازي، ولتكون باعثا لهذا النظام الجديد الذي عبث بالبلاد والعباد وفعل ما فعل بها طيلة أكثر من أربعة عقود من الزمن، وكان ما كان عقب ذلك من أحداث وتطورات ومتغيرات في الحالة الليبية.. حتى وصلنا إلى سنة 2011 وانطلاق شرارة أحداث فبراير أيضا من شرق البلاد، رفضا لاستمرار النظام الجماهيري وقائده وانضم إليهم أهالي طرابلس وغرب البلاد دعما ومطالبة، حتى تحقق ما كان وسقط النظام وانتهى قائده دون الدخول في تفاصيل ذلك.

لكن للأسف أنه عقب كل ذلك عادت الاسطوانة لتكرر المساومات والتهديد بين وحدة البلاد وتقسيمها من نفس الإقليم عند كل حدث أو فعل سياسي، فكانت البداية عند اختيار لجنة إعداد الدستور الجديد، والتي كان من المفترض اختيارها من قبل أعضاء المؤتمر الوطني العام في ذلك الوقت حسب ما اتفق عليه، ليخرج أهالي الشرق في إقليم برقة للاعتصام في الوادي الأحمر الذي يعتبره البعض الحد الفاصل بين إقليمي برقة وطرابلس رفضا لهذا الأمر، والمطالبة بضرورة انتخاب هذه اللجنة من قبل الشعب مباشرة وبعدد متساو من أقاليم البلاد الثلاثة، أو إعلان التقسيم بين هذه الأقاليم.. يعني أن وحدة البلاد مازالت مجرد وهم وورقة مساومة أمام التعصب الجهوي للإقليم، رغم مرور عقود على وحدة البلاد وما ظننا أنها أسقط مثل هذا الأمر وأصبح من الماضي، لكن التعصب الجهوي مازال مرتفع المنسوب لدى البعض في نفس الإقليم ومتمكن في الكثير من أهاليه، وتم تحقيق رغبتهم والرضوخ للأمر بالاستجابة لمطالبهم مرة أخرى ليتم انتخاب لجنة إعداد الدستور كما يريدون وحسب مطلبهم، ثم في نهاية الأمر كانوا هم أول الرافضين لمخرجات اللجنة، مانعين عرضها على الاستفتاء الشعبي من قبل المتحكمين في مناطقهم وبرلمان البلاد الذي تحول إلى لعبة بين أيادي المسيطرين عليهم بكل تسمياتهم وشخوصهم، من رئاسة برلمان إلى حكام العسكر ومنع طرح الدستور على استفتاء شعبي حتى اليوم.

ورغم كل ذلك وكل التجارب المريرة في هذا الجانب مازلنا نعيش على نفس المسار والمساومات الشرقية والرضوخ الغربي الطرابلسي لها في كل مرة.. فعند كل حدث أو فعل سياسي يريدون فرضه على كل البلاد يكون التهديد بالتقسيم هو الوسيلة لهم للحصول على مطالبهم، حتى تحول الأمر إلى سيف مسلط على رقاب أهالي غرب البلاد عند كل حدث هام يتعلق بمصير البلاد ووحدتها..

واليوم يريدون السير في نفس المسار من خلال محاولة فرض أميرهم الجديد وسيدهم الوحيد وحاكمهم وعسكريهم المتقاعد وأبنائه لحكم البلاد، بعد أن سيطر عليهم بالكامل وأصبحوا تحت سلطته وسيطرته صحبة أبنائه والمقربين منه رغبة ورهبة، ويرغبون في أن تعم تلك السيطرة الدكتاتورية كل البلاد وفي مقدمتها سيطرته على طرابلس وغرب البلاد.. وإن تم رفض ذلك في أي حوار أو محادثات لإعادة توحيد البلاد التي تعيش تقسيما جزئيا إلى أقصى حد فإنهم لن يوافقوا على أي سلطة أخرى قد توحد البلاد دون قيادة سيدهم الجديد..

بل إنهم كانوا من أكبر الداعمين لعدوانه على العاصمة وقتل أهلها وتدمير مدنها في حربه الإجرامية سنة 2019 رغم أن أهالي طرابلس قد خرجوا في 2011 داعمين لهم ورافضين ما أراده القذافي بمهاجمتهم، معلنين معارضتهم لذلك متضامنين معهم قلبا وقالبا، فيما هم فعلوا العكس تماما وأعلنوا دعم العدوان والقتل والدمار وهنا يكمن الفرق.

فإلى متى تبقى طرابلس وأهاليها ومواطني غرب البلاد عامة رهينة لمساومات انفصالية برقاوية تحت حجة التقسيم أو إعلان الحكم الذاتي في حالة الرفض، وهم من يدفع ثمن وحدة الوطن كما يخبرنا التاريخ الليبي الحديث.

فأهالي الغرب دائما هم من يدعون إلى وحدة الوطن ويقدمون من أجله التنازلات، فيما بعضا ممن هم في شرق البلاد يدعون إلى القسمة ويتخذون منها وسيلة للابتزاز والمساومة، والتاريخ يحدثنا عن أمثلة كثيرة في هذا الأمر، فلمصلحة من يحدث ذلك يا إخوتنا في شرق البلاد؟

صحيح أن أهالي طرابلس أو جلهم على الأقل لا يريدون الوصول إلى هذا الأمر إلى أقصى حد ممكن، ويطالبون بإعادة وحدة البلاد تحت سلطة واحدة ومؤسسات واحدة اليوم قبل الغد، لكن لا يجب أن يعني ذلك البقاء تحت تهديد هذه المساومات والرضوخ لها في كل مرة من أجل مطالب جهوية محدودة تقدم مصلحة إقليم أو جماعة أو سلطة على مصلحة البلاد والعباد عامة.. وإن كان كل ذلك سيمر من خلال مساومة جديدة وفرض حاكم آخر فإن الأمر يتطلب موقفا حاسما يضع الأمور في نصابها، بحيث يتوقف التنازل الذي تقدمه طرابلس في كل مرة، ويجب أن تفرض كلمتها حتى تكون وحدة البلاد مبنية على أسس متينة لا تخضع للمساومات كل حين، وعند كل متغير وإن لم يحدث ذلك يجب أن يكون هناك مواقف محددة من مثل هذه المساومات من كل أهالي إقليم طرابلس التاريخي وغرب البلاد كاملة ليكونوا أصحاب كلمة واحدة حول الأمر، لا تقسمهم المصالح المحدودة الجهوية والقبلية التي تجعلهم يسقطون عند كل مساومة للقبول بأي شروط من بقية أطراف البلاد، للمحافظة على وحدتها وليتحمل كل مسؤولية اختياراته التي يريد فرضها..

فإلى متى يا أهل طرابلس وغرب البلاد تبقون تابعين وأسرى لما يخرج من شرقها طلبا للسلطة فبداية من استقلال 1951 إلى انقلاب سبتمبر 1969 وصولا إلى أحداث فبراير 2011 عندما خرجتم تضامنا وتبعية لما بدأ من هناك أيضا وحدث ما حدث لاحقا.. واليوم يريد بعضكم تكرر نفس التجربة والرضوخ لمن يأتيكم من هناك بسلاحه ورصاصه ودعمهم له.. والمشكلة أنه في كل مرة وبعد أن تتمكن السلطة التي أخرجوها ودعموها في البداية نجد أنهم أول من ينكرها ويخرج عليها، خاصة بعد أن تتحول إليكم للحكم من عاصمتكم ويطالبون بإسقاطها والخروج عليها والتاريخ والتجربة يؤكدان ذلك.. أفلا نتعلم من كل تلك التجارب المتكررة ونبحث عن تغيير ومكان جديد يكون منبعا لسلطة لا تكرر كل الماضي وأحداثه..

فطرابلس هي العاصمة الأولى والأخيرة للبلاد، وهي الأكثر سكانا وقيمة ومكانة وهي المدينة الحضارية الفعلية وهي التاريخ والجغرافيا، فمن يريد أن يكون جزء منها باتفاق مناسب ومعقول لا فرض ولا مساومة  فيه لشخوص تريد حكم البلاد بالحديد النار فمرحبا به ومن ويريد عكس ذلك ويكرر الماضي ويفرض عليها الحكام والسلطة والقرار فليذهب إلى ما يريد لوحده وليتحمل ما ينتج عنه بعد ذلك، خاصة ما ينتظر إقليم الشرق تحديدا مما سيأتيه من حدوده الشرقية التي ينتظر أهلها مثل هذه الفرصة للانقضاض على الإقليم والسيطرة عليه وتحويله إلى جزء من دولتهم أو تابعا لهم على الأقل، يتحكمون فيها وفي مصير أهلها كما يحدث نسبيا اليوم طمعا في ثروته ومكانا للتوسع العمراني لأهله الذين ضاقت بهم بلادهم.

كلام قد لا يعجب البعض لكنه تاريخ وواقع في الماضي القريب والماضي الأبعد وحتى اليوم.

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى