
العربي الجديد-
يواجه مرضى السرطان في ليبيا خطر تناول الأدوية المغشوشة في ظل انتشارها في الأسواق، وسط تحذيرات “متأخرة” من السلطات المعنية، ما قد يهدد حياتهم
تزداد معاناة مرضى السرطان في ليبيا بسبب انتشار الأدوية المغشوشة في ظل التقصير الحكومي في متابعة هذا الملف. وأخيراً، أصدرت وزارة الصحة في حكومة الوحدة الوطنية تعميماً عاجلاً يحذر من الأدوية المغشوشة المنتشرة في الصيدليات والأسواق المحلية.
وبحسب تعميم الوزارة، فإن الدواء، واسمه “لونسورف”، مستحضر “مزوّر” لا يحتوي على المادة الفعالة المطلوبة، وبالتالي ما من أثر علاجي فعال له، كما أنه قد يشكل خطراً على صحة المرضى. ووجهت الوزارة، ضمن تعميمها، نداء إلى جهاز الإمداد الطبي ومركز الرقابة على الأغذية والأدوية ومديري المستشفيات والمراكز الطبية العامة والخاصة، تطالبهم فيه بمنع تداول الدواء المذكور وسحبه فوراً، مع الإبلاغ عن أي حالات تورطت في تسويقه.
وأكد التعميم أن المنتج الأصلي لهذا الدواء يُوزع حصراً عبر الممثل المحلي المعتمد، وشدد على ضرورة تفعيل آليات مراقبة الأدوية في مرحلة ما بعد التسويق لضمان سلامة المنتجات، بهدف حماية المرضى من أي أضرار محتملة.
ومنذ أشهر، تفجرت أزمة أدوية الأورام المغشوشة. في سبتمبر/ أيلول 2023، أرسل المعهد القومي لعلاج الأورام في مدينة مصراتة بلاغاً رسمياً إلى الحكومة في طرابلس يحذر من استيراد أدوية وصفها بـ”المغشوشة” و”مجهولة المصدر”، بعدما رصدت أنواعاً من الأدوية تسببت في مضاعفات صحية خطيرة لمرضى الأورام، من بينها تفاعلات حساسية حادة وتسريع تطور المرض.
وأوضح المعهد في بلاغه الذي نشره على صفحته الرسمية على “فيسبوك” أن اللجنة العلمية بقسم الباطنة وأمراض الدم في المعهد رفضت قبول هذه الأدوية التي استوردها جهاز الإمداد الطبي التابع للحكومة، مشيراً إلى أن مصادرها شركات من الهند وقبرص وتركيا ومالطا “غير معروفة وغير موثوقة”، وطالب بإحالة الأمر بصفة ملف إلى النيابة العامة لمحاسبة المسؤولين
في المقابل، نفت وزارة الصحة، التي يتبع لها جهاز الإمداد الطبي، أي علاقة للجهات التابعة لها باستيراد أدوية مغشوشة، وتلقي أي تحذيرات مسبقة من المعهد القومي للأورام. كما أعلنت الوزارة تشكيل لجنة تضم خبراء للتحقيق في مصدر الشكوى، وحصر الأدوية المشتبه بها، في محاولة لاحتواء الأزمة التي أثارت موجة استياء بين المرضى وأسرهم.
وعلى مدار سنوات طويلة، ظلت أعداد المصابين بالأورام مجهولة، لكن المركز الوطني لمكافحة الأمراض الحكومي بدأ في السنوات الأخيرة في حصرهم، وأعلن في مطلع العام الجاري أن عدد المصابين بالأورام في ليبيا بلغ 23 ألفاً و125 مريضاً. إلا أن رئيس المركز حيدر السائح أكد وجود أعداد إضافية غير مسجلة في المنظومة، ما يشير إلى أن حجم الأعداد أكبر من المعلن عنه، خصوصاً مع اتجاه الكثير من المرضى إلى الخارج بحثاً عن العلاج والأدوية، في ظل النقص الذي تعاني منه المراكز والمستشفيات المحلية في إمكانياتها وكوادرها، رغم محاولة الحكومتين في طرابلس وبنغازي بناء قواعد بيانات عبر المنصات الإلكترونية في محاولة لتنظيم الخدمات الصحية.
في السياق، يعرب الطبيب المتخصص في أمراض السرطان رجب السهولي عن قلقه من استمرار تسرب الأدوية المغشوشة إلى الأسواق، قائلاً لـ”العربي الجديد”: “خطورة هذه الأدوية تتضاعف لأنها تتعلق بمرضى يعانون من أمراض ذات حساسية عالية، وأي تلاعب في التركيبة الكيميائية قد يؤدي إلى انتقال أوضاعهم الى مستويات خطرة جداً”
ورغم ترحيبه بتحذير وزارة الصحة الأخير، إلا أنه يرى أنه تحذير “متأخر”، معتبراً أن دخول هذا الدواء المغشوش إلى السوق “دليل على غياب آليات الرقابة”، ويسأل: “لماذا لم تعلن أي جهة عن ضبطه حتى الآن ما دامت الوزارة وجهت نداء إلى الجهات الرقابية والأمنية؟”.
يضيف: “تقع المسؤولية الآن على المرضى وأسرهم لتمييز الأدوية الأصلية من المغشوشة، وهو ما يلزم بتكثيف التوعية لهم ليتمكنوا من التعرف إلى الشركات والعلامات المعتمدة، لكن على الدولة تحصين الأسواق وحماية المواطنين”. ويأتي انتشار الأدوية المغشوشة في ظل تزايد مخاطر تفشي أمراض السرطان، خصوصاً في شرق البلاد، حيث أقرت حكومة مجلس النواب في بنغازي في إبريل 2024، بصحة الأنباء عن انتشار أنواع من أمراض السرطان، وقررت تشكيل لجان علمية تضم أطباء وممثلين عن وزارات مختلفة لدراسة أسباب انتشاره، إلا أنها ورغم مرور قرابة العام، لم تُعلن أي نتائج أو إجراءات وقائية.
وفي سياق الفوضى التي يعانيها ملف مرضى السرطان، كشف مكتب النائب العام الليبي في يناير 2024 عن اعتقال مسؤولين تابعين لمكاتب الصحة بالبلديات في حكومة مجلس النواب ببنغازي، لتورطهم في فضيحة إدراج أسماء في قوائم المستفيدين من الإعانات المالية المخصصة لمرضى السرطان، رغم أنهم لا يعانون من المرض.